د. همام القوصي يكتب لـ"عـالم المـال ": "القاضي العاطفي... والعدالة المزاجيَّة"

كتب : بقلم / د همام القوصى
2018-08-17 22:08
كثيراً ما نلمسُ الفكر العاطفي في الأدباء والشعراء، إلاَّ أنْ نرى الميولَ لتحكيمِ العاطفة بدل العقل والمنطق القانوني في القضاة، فهو لأمرٌ شديد الانحراف عن ميزان العدالة.
والغريب أن العاملين في الشأن القانوني يستخدمون هذا الفكر بطريقةٍ متسارعةٍ في الاتِّساع والانتشار، ذلك إلى الدرجة التي يبدو معها تشكُّل عادةٍ تمضي في طريقها للتحوُّل إلى مصاف العرف المقبول، لا بل المفروض في المجتمع القانوني!.
فعندما يتمُّ قيدُ الدَّعوى المدنيَّة في ديوان المحكمة، تحالُ أوراقها إلى الغرفة المختصَّة، وفيما يخصُّ شكلَ الدَّعوى فيُفترَض أنَّ سلطان القاضي عليه يتمثَّل في دراسة مدى قبول الدَّعوى شكلاً؛ وبالتالي، تتضاءل السلطة التقديريَّة للقاضي -نظريَّاً على الأقل- إلى حدود التأكُّد من صحَّة واكتمال أوراق قبول النظر في موضوع الدَّعوى، وذلك كاستدعائها، ومستنداتها، والصور المصدَّقة المبرزة فيها، وسواها من الأوراق والشروط القانونيَّة الشكليَّة الإجرائيَّة التي تتطلَّبها أصول إقامة الدَّعوى.
فمن المفترض أن يكون دور القاضي في مجال "شكل" الدَّعوى المدنيَّة منحصراً بالتأكُّد من استكمال الأوراق للمعايير التي يطلبها القانون لا أكثر ولا أقل؛ أي أن دور القاضي في هذه النقطة يُشبه دور المحاسب الذي يتعامل مع أرقامٍ مُحدَّدةٍ لا مجال للاجتهاد في طريقة حسابها.
ولكن واقع العمل القانوني يُشيرُ إلى أنَّ القاضي قد يقوم بردِّ الدَّعوى شكلاً لأسبابٍ تافهةٍ لا تُؤثِّرُ على صحَّة الخصومة، ولا تنالُ من وجوبِ قيامها؛ وذلك تأسيساً شعوره بـ: "النَّزق" من كِثرة الدَّعاوي المُقامة أمامه وتراكم أضابيرها على مكتبه، حيث تضغط عليه المؤسَّسة العدليَّة دوماً لجهة الإسراع في حسمها، أو –وهي الحالة الشائعة في الواقع- بفعل وجود شحناء بين القاضي والمحامي الذي أقام الدَّعوى.
والحالة الواقعيَّة الخطيرة على سير العدالة في الواقع أيضاً، هي الردُّ الشكليُّ بسبب وجود إحساسٍ لدى القاضي بعدم أحقيَّة المدَّعي في موضوع ما يدَّعي به؛ ففي هذه الحالة الأخيرة، يستشعر القاضي رغبة المدَّعي بتحقيق مكسبٍ على حساب خصمه مُستفيداً من وقوف النص الحرفي للقانون في مصلحته، فيستخدم سلطه في ردِّ الدَّعوى شكلاً بهدف عرقلة المدَّعي ومنعه من المضيِّ بإجراءات دعواه؛ فالقاضي هنا يظنُّ في داخله أنَّ هذا تطبيق لروح القانون، والأمر ليس كذلك البتَّة.
فعندما يرى القاضي وجود عناصرٍ لكيديَّة الدَّعوى، ورغبةً لدى الخصوم باللَّدد القضائي بسوء نيَّةٍ دون السعي لتحصيل حقٍ معيَّنٍ، فعليه أن يردَّها موضوعاً لعدم قيام أسباب الحكم وفق ما يطلب المدَّعي بحقِّه كيداً، حيث إنَّ هذه القناعة تتشكَّل بعد نشر موضوع الدَّعوى ودراستها وتمحيص أوراقها من القاضي بشكلٍ عميقٍ.
أما قرار ردِّ الدَّعوى شكلاً لعدم اكتمال أوراقها أو عدم صِحَّتها تأسيساً على عدم ترتيب أسماء المدَّعين والمدَّعى عليهم بشكلٍ واضحٍ مثلاً رغم وضوح معنى الاستدعاء للأطراف وتحقيق الغاية من الإجراء التي فرضها قانون أصول التقاضي، فهذا القرار يُلصق واقعة الجهالة ببيان الخصومة في استدعاء الدَّعوى دون وجه حقٍّ.
ونتيجةً لذلك، فإن المدَّعي سوف لن يكون لديه فرصةٌ حتى طلب موضوع حقِّه، وكلُّ ما يستطيع فعله هو إعادة إقامة الدَّعوى مرَّةً أخرى بعد تلافي العيوب الشكليَّة، ممَّا قد يُسبِّب له أضراراً ماديَّةً بفعل إعادة دفع الرسوم، كما قد يهدرُ قرار ردِّ الدَّعوى الشكلي هذا حقَّه إن كانت هناك مزاحمة بين عدد من الأطراف على حقٍّ واحدٍ يمنح القانون فيه الأفضليَّة للأسبقيَّة في التسجيل -وليس التعاقد- كما في بيع العقار.
هذا رغم أنَّ القاضي يملك صلاحيَّة إصدار قرارٍ إداريٍّ بضرورة استكمال بعض الأوراق الناقصة، حتى أنَّ قبول الدَّعوى شكلاً يسمح للخصوم بتقديم طلباتٍ عارضةٍ؛ وهي بمثابة استدعاء دعوى فرعي جديد يقوم على استكمال الطلبات أو الأمور التي سها عنها المدَّعي لدى إقامته للدعوى أو إضافة طلباتٍ جديدةٍ إلى الطلبات الأصليَّة في الاستدعاء الأول.
أما بالنسبة لموضوع الدَّعوى المدنيَّة، فحدِّث ولا حرج عن آثار مزاجيَّة القاضي العاطفي، حيث قد يميلُ إلى طرف المدَّعي بتثبيت شرائه لعقار مثلاً، استناداً على وجود عقدٍ مكتوبٍ دون النظر لانتهاء مدَّته الملزمة للمدَّعي المشتري، والتي لا يلتزم المدَّعى عليه البائع بتنفيذ البيع إلا في بحرها فقط، فيُلحِقُ القاضي بالبائع هنا أضراراً جسيمةً بعد أن يرتفع سعر العقار عن سعره في تاريخ توقيع العقد، وذلك لأنَّ القاضي قد شعر تجاه البائع بمشاعرٍ سلبيَّةٍ منحته انطباعاً بأنَّ البائع جشعٌ يريد فقط حصد المزيد من المال، ولذلك قد يُلصق به وصف "الناكل" عن عقد البيع!.
ولكن مهما كان ضرر الأطراف في الدَّعوى المدنيَّة جسيماً من مزاجيَّة القاضي، فإنَّ أضرارهم في الدَّعوى الجزائيَّة أفدح وأعمق على نفسيَّتهم ومستقبلهم؛ فالقاضي الجزائي العاطفي الذي تلعب تقلُّبات أمزجته دوراً في الإدانة والتجريم، لهو عاملٌ مساعدٌ على تفشِّي الجرائم واستشراء مشاعر الحقد على المجتمع وكراهيَّة مؤسَّسات الدولة.
فالمتَّهم الذي يرفع شعار البراءة كقرينةٍ دستوريَّةٍ ملتصقةٍ به تَفترِض عدم قيامه بالفعل المنسوب إليه حتى يثبت ذلك بقرار غير قابلٍ للطعن، قد يجد نفسه في مواجهة قاضٍ مُستعجلٍ متوتِّرٍ غير ذي اطِّلاع، وهنا الطامَّة الكبرى.
فقد يرتبك القاضي في مواجهة أيَّة دعوى جزائيَّةٍ غامضةٍ لا دليلاً واضحاً فيها، فيُلصق التهمة بالشخص البريء استناداً على القرائن فقط؛ لأنه سيشعر بالإحراج أمام محكمة الاستئناف التي ستُراجِع حكمه إن ثبت ارتكاب المتَّهم للفعل، فقد درج بعض القضاة على إيقاع عقوبةٍ بسيطةٍ على المتَّهم دون دليلٍ قاطعٍ بغرض ما يعتبرونه: "مسك العصا من النصف"؛ فلا يُبرِّئ المتهم ولا يؤذيه بعقوبةٍ جائرةٍ، وذلك استناداً على السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لقضاء الجزاء إعمالاً لمبدأ "قناعة القاضي".
ولكنَّ هذا الأسلوب المزاجيَّ المُهتزَّ في التعامل مع الدَّعاوي الجزائيَّة لا يمتُّ للعدالة بصلةٍ، ويطعن بعمقٍ في كفاءة القاضي؛ حيث أن وسم المتَّهم بجريمةٍ لم يرتكبها سيعني تسجيل سابقةٍ باسمه دون وجه حقٍّ أولاً، وإقحامه في مجتمع السوابق الحقيقي مع السجناء حيث سيَتعرَّض لضغوط الانحراف بفعل حقده على العدالة المزاجيَّة هذه ثانياً.
وأكثر ما يزعج في القاضي الجزائي العاطفي هو كتم الحقيقة، فقد نرى هذا القاضي يرفض طلبات الخصوم في استحضار الشهود لعدم حضورهم طوعاً، رغم منح القانون له صلاحيَّة إحضارهم قسراً وبقوَّة القانون حتى يشهدوا -بعد حلف اليمين القانونيَّة- على وقائع الادِّعاء الجزائي؛ حيث إنَّ قرار عدم إحضار الشهود لهو انحرافٌ واضحٌ عن حياديَّة القضاء، وإحقاقٌ للظلم دون منح أيَّة فرصةٍ للحقِّ حتى أن يظهر.
وفي النهاية، نرى القاضي العاطفي يُسطِّر قراره بصيغةٍ رصينةٍ يَتعبُ على ترتيب حروف الباطل فيها أكثر من تعبه في تقصِّي الحقيقة، فقط لأن مشاعره قد دلَّته على عدالته المزاجيَّة، ثم يُذيِّلُ القرار بتوقيعه الكبير وكأنَّه يُحاول الإشارة إلى اقتناعه بمنطوق الحكم رغم أن الاستعجال والسطحيَّة تلفُّ كلمات الظلم التي ينطق بها القاضي العاطفي.
وأرى أنَّ الحلَّ يكمن في تفعيل دور "دعوى مخاصمة القاضي" وليس فقط الطعن التقليدي بالقرار أمام محكمة الدرجة الثانية بالاستئناف أو محكمة القانون بالنقض؛ حيث أنَّ دعوى المخاصمة تمنح الخصوم حقَّ إبطال القرار لجهة الخطأ المهني الجسيم من القاضي الذي اتَّسم قراره بالمزاجيَّة، مع تعويض المدَّعي بالمخاصمة عن الأضرار التي أحاقت به بسبب هذا الخطأ.
ولكن يبقى هذا الأمر رهناً بعدم تفشِّي المزاجيَّة أيضاً في الهيئة القضائيَّة التي تنظر في دعوى المخاصمة، وعدم انزلاقها في مُنزلقِ المجاملات والعواطف!!.
بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصص قانون وأنظمة البورصة)


Create Account



Log In Your Account