د.همام القوصى يكتب : تعديل اليمين الحاسمة.. احتيالٌ على العدالة الإلهيَّة

كتب : بقلم / د. همام القوصى
2018-09-07 19:09
تقفُ الدَّعوى المدنيَّة في أحيانٍ كثيرةٍ أمام حائطٍ مسدودٍ فيما يتعلَّق بالإثبات؛ حيث تبقى إحدى الوقائع الجوهريَّة محلَّ أخذٍ وردٍّ بين المتخاصِمَيْن، فنجدهُمَا يتقاذفانِ المذكِّرات القضائيَّة خلال جلسات المحاكمة دون جدوى؛ ونتيجةً لذلك تبدو مرحلة: "تبادل الدفوع" كمتاهةٍ لا نهائيَّةٍ في ظلِّ الخصومةِ المُستَعِرة، وانعدامِ اليقين إزاء الحقيقة.
ففي مثل هذه الحالات، أتاح قانون أصول التقاضي لأحد الخصوم أن يُوجِّهَ إلى خصمه يميناً حاسمةً حتى يُثبِتَ دعواه أو دفاعه، فإن حلفها خصمه انتهت الدَّعوى لمصلحة الحالِف، أمَّا إن نكلَ عن حلفها -سواءً عبر رفضها أو عدم الحضور في جلسة الحلف- فإن طالِب الحلف هو مَن يكسب الدَّعوى.
وبالتالي، فإنَّ "اليمين الحاسمة" هي: "أداةُ قلبِ الطاولةِ" خلال المحاكمة المدنيَّة؛ فاليمينُ عندما تكون حاسمةً يستطيع الخصم إثباتَ أيَّة واقعةٍ مهما بلغَ عُسرُ إقامة البيِّنة عليها.
أمَّا عن جوهر اليمين الحاسمة، فهو الرُّجوعُ إلى ذمَّة الحالف وخوفه من خالقه واحترامه لكتابه الذي يؤمن به وفقاً لديانته، أي أنَّ الحلف هو عمليَّة: "توريط الكاذب" في مخاصمةٍ مع ربِّه!؛ حتى يكون تصعيد الامتحان القضائي لمدى صدقه قد بلغ مداه الأقصى، فهو نقلٌ للمحاكمة من العدالة الإنسانيَّة إلى العدالة الإلهيَّة.
ولكنَّ الكلمة الفاصلة في حقيقة اليمين الحاسمة تَرجِعُ في الواقع إلى صيغتها التي يُوجِّهها طرفٌ لآخر؛ فهي عبارةٌ عن جملةٍ مفيدةٍ تَحمِل معها موضوع الواقعة التي يدَّعيها الحالف، على أن يذكرها بعد أن يُشهدَ الله على صدقه واضعاً يده على كتابه الذي يؤمن به.
وفي حالة استثنائيَّة قد نرى اليمين في دعوى تثبيت شراء العقار التي يُوجِّهها المُدَّعَى عليه البائع إلى المدَّعِى المشتري بغرض إبطال دعواه لأنَّه وكيل المشتري الحقيقي (من الباطن)؛ ممَّا يعدم صفة المدَّعي في الدَّعوى لعدم ظهور المشتري الحقيقي ولا إبراز أيَّة وكالةٍ تربطهما.
ففي حالة وجود وكالةٍ نيابيَّةٍ بينهما، فيجب إثباتها من الموكِّل (المشتري من الباطن) بعد تدخُّله في الدَّعوى قبل أو إِثرَ نكول المدَّعي عن حلف اليمين، ثم نقل ملكيَّة العقار للمشتري الحقيقي، أمَّا إن كانت الوكالة بالعمولة، فيصحُّ تثبيت العقار باسم الوكيل؛ لأنَّ الوكالة الأخيرة تعني قيام الوكيل بالتصرُّف باسمه ولحساب الموكِّل، ولكن هنا ينتقلُ عبء إثبات الوكالة بالعمولة على المدَّعي إن أرادَ إعدامَ جدوى اليمين الحاسمة.
أمَّا في حالة عدم قدرة المدَّعي بالشراء على إثبات وجود وكالةٍ بالعمولة أو عدم تدخُّل المشتري الحقيقي، فهنا ستنهار دعوى المدَّعي؛ وذلك لانعدام ركن الصفة لديه في شكل الدَّعوى، كما أنَّه من حقِّ البائع أن يمتنعَ عن تنفيذ العقد لشخصٍ قد تبيَّن أنه وكيلٌ يسعى لتجاوز حدود وكالته في موضوع الدَّعوى.
وتكون صيغة اليمين في هذه حالة الاستثنائيَّة كالتالي:
"أُقسمُ بالله العظيم بأنَّني اشتريتُ بصفتي الشخصيَّة ولمصلحتي العقار الموصوفَ بالمقسم رقم ( ) المحضر رقم ( ) المنطقة العقارية ( ) من المدَّعى عليه ( ) بموجب العقد المبرز في الدَّعوى، وأنَّني سدَّدت كامل ثمنه في تاريخ إبرام العقد، وأنَّ المدَّعى عليه قد نكل عن البيع لي وامتنع عن تسليمي العقار المذكور، والله على ما قد قلته شهيد".
ففي هذه الحالة إن قامَ المدَّعي بالحلف كَسِبَ الدَّعوى، وانتقلت ملكيَّة العقار لاسمه، أمَّا إن رفض حلفها خَسِرَ الدَّعوى وبقي العقار باسم المدَّعى عليه البائع، وذلك دون أن يملك القاضي أيَّة سلطةٍ تقديريَّةٍ في توجيهها إلاَّ في حدود كيديَّة اليمين؛ فاليمين الحاسمة هي حقٌّ للخصوم بالصيغة التي يختارونها بشرط وجود قيمةٍ حاسمةٍ لها في موضوع الدَّعوى.
ورغم هذه القواعد النظريَّة، فإنَّ ما يتكرَّس التعامل عليه في واقع القضاء هو إفراغٌ لليمين الحاسمة من مضمونها عبر استخدام صلاحيَّة القاضي بـ: "تعديل صيغة اليمين"!، وذلك عندما يستشعر القاضي تمسُّك طالِب الحلف بحرفيَّة النصِّ القانوني، وهو ركن الصفة في دعوى تثبيت الشراء وفقاً للمثال السابق.
فالخصمُ عندما يُوجِّهُ اليمين الحاسمة قد يكتبها بلغةٍ عاميَّةٍ غامضةٍ لا تمسُّ جوهر الواقعة المطلوب التحليف عليها، فهنا أتاح قانون الأصول للقاضي أن يتدخَّل بغرض توضيح صيغة اليمين؛ فيُعدِّلها ضمن معيار: "التوضيح" حصراً.
فإن قام القاضي بتغيير معنى الصيغة جذريَّاً عبر حذف أو تعديل بعض الجمل منها، كان قراره جديراً بالفسخ استئنافاً أو الإبطال نقضاً؛ لأنَّ اليمين الحاسمة هي حقٌّ للطرف الذي وجَّهها بالوقائع التي ذكرها والتي لم يَشهدْ عليها إلاَّ طرفي الدَّعوى والله ثالثهما.
ولكن ما يجري عليه التعامل كما يبدو هو قيام بعض قضاة خلال درجات الطعن القضائيَّة بحماية قرارات بعضهم البعض من باب المجاملة، وعند تعديل صيغة اليمين جذريَّاً من قاضي الدرجة الأولى، فلا تقبلُ محاكم الاستئناف طعن طالِب الحلفِ إن قام بتأسيس طعنه على التعديل الجذري لصيغة اليمين من المحكمة مُصدِرَة القرار المطعون فيه، فيما تتمسَّك محكمة الطعن بأن مسألة التعديل هي مسألةٌ موضوعيَّةٌ بعيدةٌ عن سلطتها كمحكمة قانون.
وعليه، فقد يميلُ القاضي إلى جانب المدَّعى المشتري في مثالنا؛ لأنَّ البائع يَظهرُ في نظر القاضي بمظهرِ المُمْتنعِ عن تنفيذ عقد بيع العقار؛ لأنَّه ينوي بيعه بسعرٍ أعلى بعد إبطال العقد، فيقوم القاضي بتعديل صيغة اليمين حتى يستحسن المشتري حلفها ظانَّاً أنَّه لا يحلفها زوراً!.
فمثلاً إن قام القاضي بحذف جملة: "بصفتي الشخصيَّة ولمصلحتي" من اليمين المذكور في المثال السابق، فيحلف المدَّعي على أنَّه قد اشترى العقار دون أن يكون قد حلف زوراً؛ لأنَّه فعلاً قد اشترى العقار ولكن لمصلحة غيره وليس لمصلحته؛ فهنا يكون القاضي قد حسم الدَّعوى لمصلحة المشتري الحالِف الذي يظنُّ أنَّه لم يُغضب ربَّه.
ولكنَّ المدَّعي المشتري يعلم في نيَّته أنَّ المحكمة تريدُ منه معرفة: أنَّه هو شخصيَّاً مَن اشترى العقار دون أن يُسخِّره شخصٌ آخر لذلك.
فالقاضي ينجرف نحو الظاهر هنا، دون معرفةٍ بالظروف الخفيَّة العميقة للدَّعوى، وبغضِّ النظر عن بطلان صفة المدَّعي أو إمكانيَّة انتهاكه لحدود الوكالة؛ فقد يكون البائع مظلوماً بسبب وقوعه ضحيَّة عمليَّة استغلال من المشتري الظاهر والحقيقي، حيث يتخفَّى شخصٌ لا يمكن أن يَقبَل البائع ببيعه العقار فيما لو عَلِم به، كأن يكون منافسه التجاري اللَّدود.
حتى أنَّ عمليَّة البيع قد تكون برمَّتها عمليةً لغسل الأموال، فيشتري المجرم باسم المشتري الظاهر حتى لا ينكشفَ الدخلُ المُفاجئ للمشتري الحقيقي الناتج عن جريمة، ثم يقوم الظاهر بنقل العقار إلى ملكيَّة الحقيقي عبر معاملةٍ وهميَّةٍ بينهما، فينشأ مَصدَرٌ مشروع لأموال المجرمَيْن، ممَّا يستتبعُ ضرورة تدخُّل النيابة العامَّة في الدعوى المدنيَّة كما يتيح قانون الأصول.
وبناءً عليه، فإنَّ الضمانة الوحيدة لمعنى وجدوى اليمين الحاسمة تكمن في إلغاء صلاحيَّة المحكمة بتعديل صيغة اليمين التي يوجِّهها الخصم؛ فهي من حقِّه بصيغتها الحرفيَّة، ذلك وإن كانت بلغةٍ عاميَّةٍ غامضةٍ، ففي الحالة الأخيرة يستطيع القاضي طلب شرح معناها فقط، ثمَّ يُوضِّحُ للحالِف المعنى الذي يُشهدُ الله عليه.
ومهما كان الأمر في النهاية، وطالما أنَّ "التذاكي" لا يستقيمُ عند التعامل مع الخالق؛ لأنَّه تعالى يُحاسبُ على النيَّة وليس على اللَّفظ؛ فالعدالة الإلهيَّة تبقى قائمةً لا يمسّها أيُّ احتيالٍ مهما تنوَّعت أساليبه!، ومهما بلغ التلوُّنُ وتموَّجت الخباثةُ في حكم الأرض الباطل!!.
بقلم الدكتور همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصُّص قانون وأنظمة بورصة الأوراق الماليَّة)


Create Account



Log In Your Account