الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

ماذا وراء انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ – بريكست Brexit

السبت 13/أبريل/2019 - 04:36 م
طباعة
ads
لقد راود حلم الوحدة القارَّة الأوروبيَّة منذ عقودٍ طويلةٍ، فتلك القارَّة العجوز تتمتَّع بثقلٍ اقتصاديٍّ استثنائيٍّ على مستوى العالم، إلاَّ أنَّ غياب التنسيق والسلام فيما بينها كان السبب في فشلها بمواجهة التحديات الاقتصاديَّة الداخليَّة؛ مثل البطالة، والخارجيَّة؛ مثل منافسة الولايات المتحدة سابقاً، والصين حالياً، الأمر الذي أوجب على الدول الأوروبيَّة الاتحاد تحت علمٍ أزرقٍ ونجومٍ ذهبيَّةٍ تُمثِّل أعضاءه مع أحلامٍ ورديَّة بدأت تستيقظ على كابوس سقوط النجمة الأولى، نجمة عضويَّة بريطانيا.
فإن عدنا للوراء، فقد بدا ظاهراً -منذ توقيع اتفاقيَّة السوق الأوروبيَّة المشتركة بزعامة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا عام 1957- تبلورُ الاقتناع الجَمْعي الأوروبي نحو التكتُّل الاقتصادي الذي يسمح بالوصول إلى مستوى "الوحدة النقديَّة"، وهو ما تمَّ تتويجه أخيراً بين دول الاتحاد الأوروبي EU بمنطقة اليورو Euro Zone، ذات العملة الأوروبيَّة الموحدة التي صدرت عام 2002.
والحقيقة، إنَّ الوصول إلى مرحلة الوحدة النقديَّة لهي مرحلةٌ متقدِّمةٌ جداً، تعكس مدى الانسجام التاريخي الذي حصل بين القوميَّات الأوروبيَّة، تلك التي كانت في صراعٍ مريرٍ منذ مئة عام وأقل، حيث إنَّ قبول الدول الأوروبيَّة بالتخلِّي عن عملاتها التي تُمثِّل هويَّتها القوميَّة ودمجها بعملةٍ واحدةٍ؛ يعني تغليب المصالح العامَّة على المحليَّة، والاستماع لصوت العقل على حساب العاطفة، والإقبال نحو المشاركة بدلاً من الانكفاء على الذات.
إلاَّ أنَّ بريطانيا لم تكن يوماً مُكوِّناً أوروبيَّاً خالصاً من الناحية الاقتصاديَّة، فقد كانت تنظر إلى جاراتها الأوروبيَّات نظرةً تفرُّديَّة أكثر أنانيَّة؛ فالسوق الأوروبيَّة كانت تُشكِّل لبريطانيا الحقل الأخصب للانتشار والتسويق والنمو، وكان لهذا الأمر المفعول الأهم للمواجهة التاريخية بين ألمانيا باعتبارها الاقتصاد الأوروبي الأكبر، وبريطانيا التي تسعى دوما إلى الوقوف بشكلٍ متوازٍ مع الكتلة الأوروبيَّة برمَّتها حتى تكون سوقاً لها، وليس شريكاً معها.
ويبدو أن العلاقة الاستثنائيَّة التي تجمع بريطانيا بالولايات المتحدة –علاقة الأصل بالفرع- قد بقيت متجذرةً في الفكر الاقتصادي البريطاني، فلم يظهرْ انتماء بريطانيا للاتحاد الأوروبي حتى في أكثر المراحل التاريخية التحاماً بين الاقتصادين الأوروبي والبريطاني خلال العقد الماضي، والدليل الأوضح هو بقاء الجنيه الإسترليني على قيد الحياة رغم الإغراءات الأوروبية لليورو.
فالثقافة الأنجلو-أمريكية تنتمي إلى عقليةٍ مختلفةٍ تماماً عن الفكر الألماني واللاَّتيني الفرنسي الإيطالي في أوروبا؛ حيث إنَّ الحكومات البريطانية تنظر بشكلٍ مصلحيٍّ ذاتيٍّ أكثر من رؤيتها للمصالح الواسعة على المدى البعيد، فيما تبدو ثقافة المشاركة والتكتُّل إلى أبعد مدى هي رؤية الاتحاد الأوروبي الذي تتزعَّمه بلا ريبٍ ألمانيا.
حيث إنَّ الاقتصاد الألماني العملاق هو القائد لمنطقة اليورو، والسبب ببساطة هو الطاقة الصناعيَّة الألمانيَّة الهائلة التي تجمع الكم والكيف والعراقة والسمعة، بالإضافة إلى المرونة والتكيف والمواكبة، إلى جانب المحافظة على البيئة؛ فالقطاع الصناعي قد منح الاقتصاد الألماني صفة: "الاقتصاد الحقيقي" الذي ينتمي إلى الإنتاج والنمو الفعلي وليس إلى اقتصاد الخدمات والفقاعات الماليَّة.
فما ينتُجُ عن الصناعة الألمانيَّة من اكتساح للأسواق المستهلكة يسمح بتدفُّق عائداتٍ خياليَّةٍ تقوم على نشر السيولة الماليَّة الآتية من الإنتاج الصناعي الحقيقي، ذلك الذي يؤدِّي إلى ارتفاع قيمة المشاريع الاقتصاديَّة في السوق المالي، ثم إلى تحقيق النمو والرفاهيَّة التي نراها في الواقع الألماني.
بينما نرى الفكر الأنجلو-أمريكي معتمداً على "الاقتصاد المالي" بصفة أكثر تركيزاً من اعتماده على دورة الإنتاج الصناعي، فعلى الرغم أن الطاقة الصناعيَّة لبريطانيا هي الوحيدة التي تستطيع منافسة الهيمنة الألمانيَّة، مع فارق في آلية الصناعة والتكلفة والقطاعات، إلاَّ أنَّ ما يميِّز الاقتصاد البريطاني هو القطاع المالي بامتياز.
حيث تنشط سوق الأوراق الماليَّة من أسهم وسندات في بورصة لندن LSE، باعتبارها المركز المالي الأكبر في أوروبا، بينما نجد صدى هذه العقليَّة في سوق وول ستريت Wall Street السوق الماليَّة الأكبر في العالم، والذي تنتمي إليه بورصة نيويورك NYSE وناسداك NASDAQ.
فإذاً، يبدو أن المواجهة الاقتصاديَّة الحقيقيَّة في أوروبا تكمن بين ألمانيا وبريطانيا، وهي مواجهةٌ لا حلَّ لها؛ لأنَّها تقعُ بين فِكرَيْن اقتصاديَّيْن، وليس بين سوقَيْن فقط.
وفي الواقع، فقد خلقت هذه المواجهة التاريخيَّة حساسيَّةً كبيرةً لدى بريطانيا تجاه الاتحاد الأوروبي؛ فهي تخشى نشوء قوةٍ صناعيَّةٍ اقتصاديَّةٍ أوروبيَّةٍ تقودها ألمانيا منافِسَتُها الألد، في مواجهة السوق المالي البريطاني الأكبر، خاصةً في ظل تكرُّر الأزمات الماليَّة العالميَّة بقيادة المعسكر البريطاني الأمريكي منذ أزمة 1929، مروراً بـأزمة 1987، وانتهاءً بفضيحة البنوك الاستثمارية –ليمان بروزيرس Lehman Brothers خاصةً- ورهونها العقارية المتهوِّرة عام 2008، والتي جعلت الاقتصاد الأمريكي يترنَّح.
عندها تحوَّلت الأزمة الماليَّة العالميَّة إلى اقتصاديَّة طالت منطقة اليورو، ممَّا أدى إلى ضرورة جعل إحدى الدول الأوروبيَّة تدفع الثمن، وقد كانت هي اليونان.
وبالتالي، فإنَّ من بين ما تخشاه بريطانيا هو سيطرة المنشآت الصناعيَّة الألمانيَّة التي تُمثِّلها شركاتٍ مساهمةٍ على السوق المالي الأنجلو-أمريكي في النهاية؛ حيث إنَّ ما يتمُّ تداوله في البورصات الشهيرة ما هو إلا أوراقٌ ماليَّة تُصدِرُها المنشآت ذات المركز المالي القوي، تماماً كالتي تعمل في ألمانيا؛ فحينها سيدرُّ ارتفاع القيمة السوقيَّة لهذه المنشآت في السوق المالي أرباحاً وازديداً في النمو وقوةً في المركز المالي للشركات الألمانيَّة، وارتفاعاً في منسوب السيولة المسحوبة من المدَّخرين البريطانيِّين. هذا طبعاً إلى جانب المخاوف الاقتصاديَّة التقليديَّة من ابتلاع المنتجات الألمانيَّة المنافِسَة للسوق الأوروبي والعالمي.
فيبدو أنَّ هاجس تحوُّل الاقتصاد البريطاني إلى كيانٍ ماليٍّ تابعٍ للاقتصاد الأوروبي -الذي تتزعَّمه ألمانيا- لهو الدافع الحقيقي وراء رغبة بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أو ما بات يُعرف باتفاقيَّة أو حتى صفقة: "بريكست"؛ أي: خروج Exit بريطانياBritain ، وهي الاتفاقيَّة التي تشبه عمليَّة "إرجاع عقارب الزمن إلى الوراء" بكلِّ ما تحمله هذه العمليَّة من خسائرٍ، وكلِّ ما ستؤدِّي إليه من انكماشٍ على الذات؛ فالمستقبل فيما بعد بريكست سيحمل لبريطانيا ركوداً في ظلِّ خسارتها للارتباط مع أوروبا، وهو ما قد يغلق الأفق أمام حركة التجارة البريطانيَّة بسبب الاستياء الأوروبي من هذه الاتفاقيَّة.
بينما تظهر الأسباب المُعْلَنة من الحكومة البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي في وقف التسهيلات الضريبيَّة وغلق الحدود وعدم نفاذ ولاية المحكمة الأوروبية.. باهتةً وغير مُقنعةٍ إطلاقاً، في ظلِّ الآثار الاقتصاديَّة العميقة التي ستحلُّ ببريطانيا فيما لو دفعت هي ثمن فاتورة الخروج؛ فقد نجد الجزر البريطانية معزولةً في بحر المانشLe Manche -وفقاً للتسمية الفرنسيَّة-، تضرب بها أمواج الأزمات الماليَّة، ويجتاحها التباطؤ والركود، خاصَّةً بعد أن يتمَّ إغلاق القناة البحريَّة الإنكليزيَّة English Channel –وفقاً للتسمية البريطانيَّة- في وجه الدول الأوروبيَّة وأموالها المتدفِّقة دون جمارك.
فالفاتورة الأغلى التي تخشى بريطانيا دفعها هي فاتورة التبعيَّة للاقتصاد الألماني يوماً ما، ذلك الهاجس الذي كان قد أشعل أكبر الحروب في تاريخ البشريَّة! الحرب العالميَّة الأولى والثانية.
وهذا ما يجعل الحكومة البريطانية تسعى نحو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي دون أيِّ مجالٍ للالتفات إلى الخلف ولا حتى المشاورة، كما لو أنَّها تسعى للاستقلال الاقتصادي وليس الانفصال عن الشراكة الأوروبيَّة، ذلك على الرغم من عدم وضوح الرؤية للاقتصاد البريطاني فيما بعد تنفيذ البريكست، والانقسامات المتكرِّرة داخل الحكومة البريطانيَّة حول التفاصيل الماليَّة والاقتصاديَّة، حتى بلغ الوزراء الذين استقالوا من حكومة تيريزا ماي ستة وزراء!.
ولذلك يبدو الحديث عن ضرورة إعادة الاستفتاء على خروج بريطانيا أمراً لا معنى له في ظلِّ استقرار التقاليد البريطانيَّة على وجوب استمرار التميُّز والتفوُّق والتباهي البريطاني بالـ: "العظمة "Great Britain، و"التاج Crown"، و"أمَّة الثراء المشترك أو الكومنويلث Commonwealth" تجاه الجيران والمنافسين.
ولكن السؤال الأهم هنا هو: ما الذي قد دفع بريطانيا إلى دخول السوق الأوروبيَّة المشتركة عام 1973، ثمَّ الاندماج بالكيان الأوروبي الموحَّد طالما أنَّها تُدرِك خطر الاقتصاد الألماني؟..
قد تكون الإجابة في الرغبة البريطانيَّة بالقيام بتجربة إخضاع فلسفة الاقتصاد الحقيقي الألماني لفكر الأسواق الماليَّة الأنجلو-أمريَّكية، ولكنها كانت تجربةً فاشلةً على ما يبدو!.
ذلك إلى الحد الذي قد يسمح للاقتصاد الألماني بتحقيق الإنجاز الاقتصادي الذي لم تُحقِّقه الحروب العالميَّة، وهو الانتقال البطيء والصامت لكن الثابت من: "أوروبا الألمانيَّة" إلى: "العولمة الاقتصاديَّة الألمانيَّة"!!.
الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص بورصة الأوراق الماليَّة) 

ads
ads
شارك في استفتاء أفضل لاعب بالدوري موسم 2018/2019

شارك في استفتاء أفضل لاعب بالدوري موسم 2018/2019
ads
ads
ads
ads