الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
د.همام القوصى
د.همام القوصى

كارلوس غصن.. مُتَّهم باغتيال الحوكمة!

الثلاثاء 14/مايو/2019 - 12:29 ص
طباعة

يكتنف عمل الشركات العالمية العملاقة عابرة القارات الكثير من المظاهر الباذخة، فنجد إعلانات تسلب الألباب، وتجعل الإنسان يشعر بانخفاض مستوى معيشته، ورداءة أيامه، وهذا ليس بالمصادفة أو نتيجة للفرق الفعلي بين عالم الأعمال وعالم المستهلكين، بل مقصود؛ يتعمَّد دفع الناس نحو الشعور بالنقص حتى يتحرَّكوا باتِّجاه تحصيل الأموال بأيَّة طريقة ثم تبذيرها في استهلاك الكماليات.

وتنشأ هذه السياسة الإعلانية من ذات المنشآت التي تتباهى بمستوى أخلاقياتها، وشفافيتها، وارتفاع دعمها للمجتمع، والسبب ببساطة أنَّ الشركات تسعى إلى الارتقاء بمستوى أجهزتها الإدارية حتى يرتفع تصنيفها من حيث جودة "الإدارة الرشيدة" أو ما بات يسمى اصطلاحاً: "الحوكمة" “Governance”.

فالحوكمة هي عبارة عن تطبيق منهج حُكمٍ إداريٍّ نزيهٍ وشفافٍ ومتفانٍ في العمل، في مقابل الحرص التام على مصلحة الشركة وأموالها ومصالحها، ذلك إلى الدرجة التي يشعر فيه المرء أن مدراء الشركة قد تمثَّلت تلك الشركة فيهم، فتحوَّلوا من أشخاص لهم أملاكهم وأعمالهم ومصالحهم إلى أشخاص يتكرَّس وجودهم في إحياء الشخصية الاعتبارية للشركة.

وقد انتشر مفهوم الحوكمة بشكل تجاري خاطئ بين مؤسسات الأعمال، فباتت تتهافت على تطبيق المعايير الصورية المظهرية التي تجعل الشركة تبدو وكأنَّها مَوئِل الأخلاق، ذلك حتى تنال المزيد من الارتقاء على سُلَّم "معايير الحوكمة" “Governance Standards”، لعلها تنال شهادة الأيزو ISO الدولية في جودة الإدارة، رغم أن تلك المعايير والشهادات قد تكون في الحقيقة مُجرَّد نفاقٍ إداريٍّ يُخفي وراءه شتَّى ممارسات الفساد والجرائم المالية.

تفاجأت وسائل الإعلام الغربي فيما يشبه الصدمة العامة عندما تمَّ اعتقال كارلوس غصن الرئيس التنفيذي اللبناني لشركة نيسان اليابانية لصناعة السيارات NISSAN MOTOR COMPANY، وذلك نتيجة اتهامه أولاً بإخفاء مقدار أجره ومكافآته الحقيقية التي كان يتقاضاها من الشركة، فيما يُعتبر فضيحة لحوكمة الشركات اليابانية.

لقد اشتُهِر كارلوس "حلاَّل المشاكل" لمدى عبقريته الإدارية في إعادة الهيكلة، حيث قام بإعادة ترتيب شركة رينو الفرنسية RENAULT عام 1996 حتى يجعلها من كبار المصنعين الفرنسيين، أمَّا في عام 1999 فقد كانت شركة نيسان على شفا الإفلاس المُحقَّق، فقامت شركة رينو الفرنسية –بتكتيك كارلوس- بشراء مجموعات كبيرة من الأسهم في شركة نيسان، حتى بلغ ما تملكه رينو حوالي 43% من رأس مال نيسان، وهكذا تربَّع كارلوس على رأس الهرم التنفيذي في الشركتين معاً.

وإن حاولنا الاطِّلاع على الموضوع من وسائل الإعلام المُقرَّبة من الإعلام الياباني، سنجد وصف: "التحالف" على: "الهيمنة" التي قامت بها رينو بحقِّ نيسان؛ حيث يبدو أنَّ الكبرياء الاقتصادي الياباني قد اهتزَّ، وأنَّ كادر العمل الإداري الياباني في نيسان لم يستسغْ الكيفية التي آلت فيها شركتهم شبه تابعة لشركة فرنسية، تلك العقلية اليابانية التي تُفضِّل الانتحار على الهزيمة في محاكاة لمنهج "الساموراي" “The Samurai”.

ولم تظهر هذه الترسُّبات للعلن في شركة نيسان أبداً، بل على العكس استمرَّت الشركة بالعمل والإنتاج والبيع، حتى أصبحت أحد عمالقة صناعة السيارات تحت إدارة كارلوس وعنوان "التحالف" الزائف مع رينو، ذلك التحالف الذي سيجرُّ فيما بعد شركة ميتسوبيشي اليابانية الأخرى MITSUBISHI MOTORS التي آثرت هي الأخرى الانضواء تحت جناح كارلوس.

وفي أوج نشاط كارلوس غصن ونجاحه الإداري مُنقطِع النظير، كانت هناك مؤامرة يحيكها مجموعة من المدراء والموظَّفين اليابانيين داخل نيسان خلال نوفمبر من عام 2018.

فمن غير سابق إنذار، تمَّ اعتقال كارلوس المذهول وزوجته في جنح الظلام واقتياده -بملابس نومه- إلى التحقيق مع السلطات اليابانية دون منحه حتى حق استدعاء محاميه، وقد تمَّ استغلال الثغرات الموجودة في قانون الإجراءات الجزائية الياباني أحسن استغلال، حيث تمَّ إبقاء كارلوس موقوفاً على ذمة التهمة الموجهة إليه بخصوص أجره لمدة طويلة.

ثم أُخلِيَ سبيله مقابل كفالة خيالية، وبعدها تكرَّرت الصدمة مرة أخرى، حيث تمَّ اتهام كارلوس بتهمة جديدة، وهي خيانة الثقة واستغلال أموال شركة نيسان حتى يتمَّ إيقافه مرَّة أخرى، ثم يُخلَى سبيله بكفالة تبلغ 500 مليون ين أي حوالي 4.5 مليون دولار!

والغريب أن الخصم الأول لكارلوس، والأكثر هجوماً عليه في هذه الأوقات العصيبة، كانت هي شركة نيسان ذاتها، تلك التي قادها إلى كلِّ الأمجاد المُمكنة في عالم صناعة السيارات، فقد أقالت كارلوس واستبدلته بكادرٍ آخر كان جاهزاً –وحتى يمكن أن يكون مُبيَّتاً- لمحاولة القضاء على سمعة رئيسهم التنفيذي السابق، ممَّا يؤكد وجود شبهة تدبير لكلِّ هذه الأحداث الدرامية.

وبغضِّ النظر عمَّا إذا كان كارلوس غصن بريئاً كما يُعلنُ دائماً أم لا، فإنَّ الفضائح المالية العلنية التي ساقتها إدارة نيسان الجديدة في حقِّ كارلوس كانت فظيعةً، فقد اتَّهمته بشراء منازل فارهة في بيروت وريو دي جانيرو في البرازيل، وطائرة خاصة، وإخفاء راتب يقدر بـ17 مليون دولار عام 2017.

ولكن إن دقَّقنا النظر في التُّهم العديدة الموجَّهة لكارلوس والتي قد تؤدِّي لاعتقاله 15 عاماً، سنجد أنَّها في معظمها مُدبَّرة ومُبالغ فيها؛ فالمنازل التي تتحدَّث عنها نيسان في لبنان والبرازيل تعود ملكيَّتها في الحقيقة لشركة نيسان ذاتها وبقيت كذلك، حتى أنَّ أولاد كارلوس استصدروا حكماً من القضاء اللُّبناني بهدف الحصول على أغراضهم الشخصية بعد الحجز على المنزل.

كما أنَّ إخفاء الأجر والمكافآت هو محلُّ جدل، فالمهم أن تكون لجان الرقابة داخل الشركة تعرف مقدار أجر الرئيس التنفيذي المعروف أيضاً للسلطات الضريبية اليابانية، وليس المهم مقدار ارتفاع الأجر بالمقارنة مع الأداء والأرباح التي يجرُّها لشركة نيسان، وهو الأمر الذي يلفُّه الغموض؛ فهل احتال كارلوس حقاً على الشركة وأنظمة الرقابة الحكومية اليابانية؟، أم كانت نيسان تنتهج سياسة التكتم بخصوص أجور مدرائها التنفيذيين؟

أيَّاً كان الأمر، ففي الحقيقة إنَّ الخاسر الأكبر في هذه القضية ليس كارلوس غصن كشخص بل شركة نيسان كشخص اعتباري، حيث أظهرت الشركة نفسَها وكأنَّها ملعب للفساد واستغلال الأموال، فالسؤال هنا: مَن هو هذا المستثمر الذي سيُخاطر بمدَّخراته في شركة هزَّتها مثل هذه الفضائح؟!

وإن رجعنا للوراء قليلاً سنكتشف جذر هذه المشكلة، فالحاجة والعوز للسيولة الذي دفع شركة نيسان للتضحية باستقلالها المالي، ثم قبول خضوعِها لإدارة مدير تنفيذي أجنبي قادم بأموال شركة منافسة هو لبُّ الأزمة.

فقد كان على شركة نيسان أن تواجه ديونها عام 1999، ثم تنجح وتُحقِّق معايير الحوكمة الشفَّافة، أو تُفلِس وتَنتقِل من رماد أزمتها إلى شركة أخرى برأس مال أصغر، كان هذا أفضل بكثير من قبول رؤوس الأموال الخارجية في ظلِّ ثقافة "اقتصاد الساموراي!

بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص بورصة الأوراق الماليَّة)

 

ads
ads