الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

هواوي.. الحلم الصيني، والكابوس الأمريكي، والظلمات العربية!!

السبت 25/مايو/2019 - 11:06 م
طباعة
ads


قد يتساءل المرء لماذا يتنافس البشر طالما أنَّ لكلٍّ منهم خصوصيَّته ولمسته الشخصيَّة؟، أليس الناس متنوِّعون بطبعهم من حيث الأذواق؟، فلماذا لا تعمل كلُّ شركةٍ على طابعها الشخصي حتى تُرضِي عملائها المتذوِّقين لمُنتَجاتها دون النظر إلى عُملاء غيرها؟!

الإجابة ببساطة هي في السيولة Liquidity؛ فالسيولة النقديَّة الشرائيَّة لدى العملاء محدودةٌ، لا يمكن لها أن تستوعب كل العرض بل جزء منه، وتحاول كل شركة أن تسحب أكبر نسبة من الطلب.

فحتَّى إن اختلفت أذواق المستهلكين، إلاَّ أنَّهم يجتمعون على مجموعة من المعايير الأساسيَّة، مثل الجودة والصيانة والكفالة والموثوقيَّة والخصوصيَّة وسهولة التشغيل.. إلخ، فإن اجتمعت هذه المعايير في مُنتَجٍ مُعيَّنٍ فإنَّه سيكون هدفاً أكيداً لسيولة المستهلكين المحدودة، وسَيسْتَأثر بالنصيب الأكبر من الطلب حتَّى يتحوَّل في ميزانيتها إلى ما يمكن تسميته: "عرضٌ مُستجاب".

شاهدنا مؤخراً الحرب التجاريَّة المفتوحة على الصين، وتبِعَها مباشرةً توقيف المديرة المالية لشركة هواوي Huawei الصينيَّة للاتصالات "منغ وانز هو" في كندا –الدولة التي تتناغم حكومتها في كثير من المواقف مع الإدارة الأمريكيَّة-، وذلك كله خلال فترة سعي الإدارة الأمريكيَّة لتكسير عظام الاقتصاد الصيني الطموح والمُتمدِّد والمُتجدِّد.

 وحتى نرى الصورة كاملة علينا بالرجوع قليلاً للوراء فيما يخصُّ قطاع التكنولوجيا، حيث استأثرت الشركات الأمريكيَّة بمفاصل هذه الصناعة، وذلك ببساطة لأنَّ المجتمع الأمريكي مُتفتِّح الذهن، ومُنْفَتِح على ابتكارات الشباب، بل مُستقطب لهذه الابتكارات حتى من الدول النامية، ففي بداية الألفيَّة الجديدة امتطت أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكيَّة صهوة "جياد" القيادة في بورصة وول ستريت بشكلٍ صعوديٍّ مذهلٍ.

فأتذكَّر وقتها بين عامي 1999 و2001 كيف قفزت القيمة السوقيَّة لأسهم شركات IBM، وإنتل Intel، ومايكروسوفت Microsoft، ونفيديا Nvidia من قيم قليلة إلى مئات الدولارات، رافعةً مُلاَّك هذه الشركات إلى مصاف المليارديرات في ظلِّ أشهر، وعلى الرغم من انخفاض أسعار أسهم قطاع التكنولوجيا في عام 2002 إلاَّ أنَّ ذلك لم يمتد على الأمد الطويل، بل كان نتيجة المضاربات الجامحة على الأسعار، ما لبثت بعدها تلك الأسهم أن أخذت مكانتها ومركزها المالي وقيمتها السوقية الحقيقية حتى اليوم.

ونتيجةً لهذا الموقع الريادي الأمريكي في قطاع التكنولوجيا، فقد واجهت شعوب الكرة الأرضية جميعها –ومن ضمنها وطننا العربي- احتكار الشركات الأمريكيَّة لتجهيزات التكنولوجيا وبرمجتها، بحيث تبدَّى هذا الاحتكار جليَّاً في مُعالِجات إنتل، ونظام تشغيل الحواسيب ويندوز Windows الصادر عن شركة مايكروسوفت.

فبغضِّ النظر عن الجودة المذهلة والتطوير المتسارع لهذا النظام، إلاَّ أنَّ جميع أركان الاحتكار المرفوض اقتصادياً قد كان موجوداً في نظام ويندوز دون السماح لأيَّة ابتكارات مُنافِسة حتى أن تأخذ ولو قطعة صغيرة من "كعكة" سوق التكنولوجيا، وكان الاستثناء نظام شركة أبل Apple الأمريكيَّة أيضاً، وقد انتشر على نطاقٍ ضيِّقٍ في أجهزة الشركة فقط.

والآن، فقد دخلنا في عصر الهواتف الذكية دون منازع، بعد أن باتت حياتنا مختصرَةً في مجموعة من التطبيقات التي تدلُّنا على أخبارنا وأصدقائنا، وقد تأخذ مكانةً أوسع بكثير بعد انتشار نظام إنترنت الأشياء الذي سيجعل من هاتفنا المُحرِّك الذاتي لمنزلنا وسيارتنا وحتى تعاملاتنا.

وفي ظلِّ الانتشار المُسْتعر لحُمَّى الهواتف الذكية ابتداءً من عام 2012 تقريباً، فقد حاولت الولايات المتحدة -التي أنهك اقتصادها الحروب الاستباقيَّة!- أن تُعيد التاريخ المجيد لنفسها فيما يخصُّ صناعة الحواسيب وأنظمتها البرمجيَّة، إلاَّ أنَّها وبكلِّ صراحةٍ ووضوحٍ قد فشلت هذه المرة!!

وقد ظهرت البوادر مع شركة سامسونغ Samsung الكورية الجنوبية التي اكتسحت أسواق الهواتف الذكية بسلسلة هواتف المجرة Galaxy، فعلى الرغم من أنَّ نظام تشغيلها إندرويدAndroid  يتمُّ تطويره من التحالف المفتوح للهواتف النقالة الذي تديره شركة جوجل Googel الأمريكيَّة، وأنَّ الاقتصاد الكوري الجنوبي يدور في "فَلك" الاقتصاد الأمريكي، إلاَّ أنَّ خروج الماركة التجاريَّة من حدود الولايات المتحدة كان له رمزيَّة تجاريَّة واقتصاديَّة خاصَّة جداً.

حيث ظهرت شركة أيفون الأمريكيَّة وهي تنافس سامسونغ وكأنَّها تلعب في الحديقة الملكيَّة لتجارة الهواتف الذكية، فالأرقام الفلكيَّة لأسعار هواتف أيفون جعلها تنتمي لشريحة النخبة في المجتمع فقط، بينما الطلب الجارف والعرض المُستجاب كان مُلكاً لسامسونغ وحدها، وحاولت جوجل اجترار أكبر قدر من الأرباح من نظام تشغيل إندرويد في محاولة لاستغلال هذا النجاح مُنقطِع النظير لسامسونغ.

فاحتكرت جوجل تقديم خدمة نظام التشغيل -ليس عبر بيع إندرويد فهو برنامج مجاني مفتوح المصدر- ولكن عبر ممارسة احتكاريَّة مفادها أنَّ جوجل لن تسمح لأيِّة شركة بالحصول على نظام إندرويد –ليس بنسخته العامة بل بالنسخة التي طوَّرته جوجل- ولا تشغيل تطبيقاتها ومتجر جوجل بلاي إذا لم تخضع لشروطها، ومنها وضع مُحرِّك بحث جوجل على واجهة الهاتف، والحصول على تطبيقات جوجل كاملة أو لا شيء منها عندما يتمُّ تشغيل نظام إندرويد، فشاهدنا كيف أنَّ جميع هواتف سامسونغ تضع كافَّة تطبيقات جوجل بشكلٍ بارزٍ على أول صفحة للهاتف، وأهمُّها متجر جوجل للتطبيقات.

وكان نتيجة هذه الممارسة الاحتكاريَّة فرض غرامة بـ 5 مليارات دولار من الاتِّحاد الأوروبي EU على شركة جوجل عام 2018، حيث اعتبر الاتِّحاد أن جوجل تستغلُّ إندرويد للهيمنة السوقيَّة في مجال مُحرِّكات البحث، وهذا ما يمنع على مستخدم الهاتف الاستفادة من ميِّزات البرامج المُستقلَّة عن جوجل، ناهيك عن الغرامات الأخرى بالمليارات لأسبابٍ مثل هيمنتها على إعلانات البحث عبر الإنترنت عام 2019.

أمَّا الضربة القاضية لصناعة الاتصالات الأمريكيَّة فقد كانت موجعةً أكثر من المتوقَّع؛ لأنَّها كانت من الخصم التجاري الألد: الصين، والبطل هو شركة هواوي، حيث فاجأت الشركة العالم بهواتف عالية الدقة والسرعة وبأسعار أقلَّ بنسبة جيِّدة عن أسعار سامسونغ، وبفرقٍ خياليٍّ عن أسعار أيفون، فبإمكان المستهلك شراء 6 هواتف هواوي في مقابل هاتف أيفون بقدرات متماثلة تقريباً.

فسارعت جوجل إلى إقرار حظر التعاون مع هواوي التي ستعمل دون أيِّ تبادلٍ بينهما لتقنيَّات وتحديثات إندرويد، وبالطبع مع حظر كافَّة تطبيقات جوجل، ذلك نتيجة قرار الإدارة الأمريكيَّة بإضافة الشركة الصينيَّة على القائمة السوداء، الأمر الذي توسَّمت به تلك الإدارة قدرة القضاء على سمعة الشركة الصينيَّة الوليدة، فمن ذا الذي سيشتري هاتف ذكي دون متجر جوجل مثلاً!!

ونتيجة حظر التعاون بين جوجل وهواوي ستكون الأمور على الشكل الآتي:

 

(1)     بالنسبة لهواتف هواوي القديمة التي صدرت بشكل رسمي، حالياً فهي ستستمرُّ بتشغيل تطبيقات جوجل والحصول على تحديثاتها من متجر جوجل للهواتف التي تقع خارج الصين، وبالنسبة لتحديثات الأمان الخاصَّة بإندرويد، فلن تُقدِّمها جوجل لهواوي نتيجة حظر التعامل، ولكن تستطيع هواوي الحصول عليها كأيِّ شخصٍ يستطيع الدخول إلى برمجيَّات إندرويد مفتوحة المصدر. أمَّا إن أرادت هواوي الوصول إلى الإصدار الجديد تماماً من إندرويد فيمكن لها الحصول عليه من المنصَّة المفتوحة بصيغته المطروحة للعموم وإن بعد تأخير عن باقي الشركات؛ ولكن المشكلة في أنَّ تطبيقات جوجل لن تعمل على الإصدار الجديد لإندرويد لأنه غير مدعوم من جوجل؛ ممَّا يعني إمكانيَّة توقُّف جميع تطبيقات جوجل على جهاز هواوي القديم إن انتهت فعالية إندرويد القديم المدعوم من جوجل مع مرور الوقت.

 

(2)     أما بالنسبة لهواتف هواوي الجديدة التي لم تصدرْ بشكل رسمي أو المستقبلية، فلا يمكن لها أن تعمل إلاَّ عبر أنظمة إندرويد المُتاحة للعموم، ولن تحصل على تطبيقات جوجل نهائيَّاً، ولن تصلها تحديثات الأمان لإندرويد حتى تصل إلى أيِّ شخص حول العالم، وهذا يُمثِّل وضعاً غير مقبولاً سواءً من الناحية التقنيَّة أو التجاريَّة.

وبرأيي، فإنَّ خطأ هواوي القاتل كان في استعجالها طرح هواتفها عبر نظام الإندرويد الأمريكي نفسه؛ حيث كان يجب أن تُدرِك هواوي أنَّ منافسيها الأمريكيِّين يترصَّدونها ويتربَّصون بها الدوائر..، فلم يكن منهم إلاَّ التهديد بحظر تشغيل إندرويد ومتجر جوجل وغيرها من التطبيقات العالمية الأساسية عبر هواتف هواوي.

ومهما حاولت هواوي طمأنة زبائنها بأنَّها لن تتأثَّر وستجد حلاًّ وسطاً، أو ستقوم بطرح نظام تشغيلٍ خاصٍّ بها مع تطبيقات مستقلة عن الهيمنة "الجوجلية" –إن صحَّ الاشتقاق-، فإنَّ مهلة الـ90 يوماً التي تبقَّت للشركة حتى تلثم الجروح الأمريكيَّة-الصينيَّة الغائرة تجعل المنطق القول أنَّ الوقت بالنسبة لهواوي قد أزف.

هذا إن لم تكن هواوي قد خبَّأت مفاجأة سيئة غير منطقية للأمريكيين –وهو بمثابة كابوس تجاري ومالي حقيقي للاقتصاد الأمريكي-، وهو إطلاق الصينيِّين للجيل الخامس من الهواتف الذكية G5 بإمكانيَّاته وسرعته الخارقة التي تسمح بإدارة الأشياء عبر الإنترنت، ثم المفاجأة الأسوأ أن استطاعت هواوي إصدار هذا الجيل دون الحاجة لإندرويد!، تماماً كما سبق وأن اعتمدت أيفون على نفسها عبر نظام ios الأكثر أماناً من إندرويد، حيث بدأ الحديث عن نظام صيني خالص يتمُّ تطويره تحت اسم HongMeng OS، حيث يمكن إطلاقه عام 2020.

وهناك سيناريو آخر، وهو أن يتدخَّل الاتِّحاد الأوروبي الذي ملَّ غطرسة وسيطرة الشركات الأمريكيَّة وانتهاكها لخصوصيَّة المواطنين الأوروبيِّين في قطاع الاتصالات لديها، حتى بات يُخيَّل لي من تصريحات المسؤولين الأوروبيِّين أنهم يُفضِّلون هواتف السمَّاعات والقرص الدوَّار على التعامل مع الرأسماليين الكاوبوي!

وعلى أيِّ حالٍ، فإن حرب جوجل وهواوي أعطت ملامح غير إيجابيَّة للمعارك التجاريَّة، فيبدو أن السُّبل قد تقطَّعت بالشركات الأمريكيَّة، ذلك إلى درجة إعلان الابتزاز العلني تجاه الصينيِّين!!، وهو أمرٌ متوقَّعٌ؛ لأن هواوي بهواتف الجيل الخامس تكون قد كسرت الهيمنة الأمريكيَّة على قطاع الاتصالات التي استمرَّت لأكثر من قرن منذ أيام بيل Bell مُخترع الهاتف.

والمُحزِن هو وقوع الوطن العربي في كهفٍ مظلمٍ من الاستهلاك الكسول لتجهيزات الاتصالات، وشبه انقطاع الأمل في المنافسة، فما زال يتناهى لسمعي أنَّه يجب الانتظار لسنوات ضوئية حتى نلحق بركب الدول المتطوِّرة بين الجناحَيْن المتصارعَيْن الولايات المتحدة والصين، وقد تناقلت الأجيال هذه المقولة..

ولكن.. ألا يعلم العرب أنَّ كل التكنولوجيا، والرقمنة، والذكاء الصناعي، والخلايا العصبية الآلية التي تُحرِّك الروبوتات تعمل على تطوير النتاج الحضاري الذي قاده العرب، وأبسط دليل معادلات الخوارزمي Algorithms،..

ولمَّا يأتِ بعدُ خير الخلف لخير السلف.

 


ads
ads
شارك في استفتاء أفضل لاعب بالدوري موسم 2018/2019

شارك في استفتاء أفضل لاعب بالدوري موسم 2018/2019
ads
ads
ads
ads