الإثنين 21 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1441
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

المفاجأة النظرية غير المتوقعة .. وغرور المحامي العجوز..!!

السبت 22/يونيو/2019 - 12:27 م
طباعة
ads

تحدثُ أمام المحاكم قصصٌ وحكاياتٌ جديرةٌ حقاً بأن تكونَ عِبرةً، ففي موقفٍ حقيقيٍّ عصيبٍ واجهني، كنت ما أزالُ طالب دراسات عليا في الحقوق ولم أقترب من مهنة المحاماة لأنَّها كانت بحاجةٍ إلى تفرُّغٍ سيسْلبُ منِّي حلمي بالدكتوراه التي كنت أُحضِّر لها، وإذ بجماعةٍ من أقربائي طلبوا منِّي التدخُّل لمصلحتهم في دعوى مُقامةٍ ضِدَّهم، فقلتُ لهم أنِّني لم أُمارسْ مهنة المحاماة بعدُ قط، وليست لديَّ أيَّة خبرةٍ في أروقة المحاكم، ولا أعرف حتَّى أصول كتابة مذكِّرة الدفاع في الدعوى!؛ حيث أنَّ دراسة الحقوق التي تلقَّيتها كانت نظريةً بحتةً إلى أبعد حدٍّ.

فتوقَّعت أن ينسحب أقربائي بهدوء بعد هذا الاعتذار المُبطَّن، إلاَّ أنَّهم ازدادواً إصراراً!!، وقال لي أكبرهم عمراً: "الدعوى مصيريَّة، ولن نثق من بعد الله إلاَّ بك، عليك بتسخير كل معرفتك النظرية الكبيرة في هذه الدعوى، وسنتحمَّل النتائج معاً..".

عندها صُدمتُ بهذه الثقة الكبيرة، شعرتُ وكأنَّها جبلٌ جاثمٌ على كتفيَّ، فالدعوى كانت تخصُّ عقاراً تساوي قيمته الملايين، ولدى اطِّلاعي على المستندات، وجدت الدعوى خاسرةً لا محالة لأقربائي، ولا أمل لهم في كسبها -إلاَّ إن عاد زمن المعجزات-؛ فهم قد استعجلوا بتوقيع عقودٍ تُلزمُهم بتسليم العقار في مُقابلٍ غير عادلٍ لكنَّه لا يصل إلى حدود الغبن، فكان المطلوب منِّي أكبرَ من دور المحامي، بل دور الباحث عن طرف خيطٍ صغيرٍ مُختبئٍ في الظلام حتى أشدُّه، ثم أقلب الطاولة على خصومي.

وقد لعبتْ ثقة أقربائي بي دوراً غريباً في تحفيزي، إلاَّ أنَّ العنصر المُحفِّز الأكبر كان الظلم الكبير الذي سيَحيقُ بهم.

أذكرُ وقتها أنَّني كنت أعمل بالتجارة والتسويق في أوقات الفراغ إلى جانب دراساتي العليا في القانون التجاري، وكنت أخرج صباحاً كل يوم، ولا أعود حتى منتصف الليل تقريباً، ولكنَّ ذلك لم يقفْ أمام الحافز الهائل الذي تشكَّل لي.

باختصار، لقد صِرْتُ "أتنفَّس الدعوى"، حفظت كل كلمة، وحرف، ونقطة، وفاصلة في استدعاء الدعوى المُقامة على أقربائي، حتى باتت أفكارهم مكشوفةً أمامي بكلِّ وضوح، ولم أدَّخر وقتاً، فكان ذهني يعمل طوال اليوم في نقاط الضعف التي تعتري هذه الدعوى الظالمة خلال ترحالي وأوقات عملي، وكنت دائمَ الكتابةِ على الأوراق الصغيرة التي أمامي، حتى كنت عندما أعود إلى المنزل، أقوم بتجميعها، ثم بإفراغ المحتوى بعد إعادة صياغته ضمن كُرَّاس الجامعة المتعب من كثرة المعلومات!

وكانت الجلسة الأولى للدعوى بعد أقل من شهر، فقمت بلملمة نقاط الضعف الصغيرة في دعوى خصمي، ثم ربطها ببعضها البعض، وقمتُ بإسقاط النصوص القانونية المُلزمة عليها من حيث شكل الدعوى وموضوعها، فكانت النتيجة جيدة أكثر ممَّا توقَّعتُ.

فقمتُ بصياغة مذكرة الدفاع الأولى، وبعد نهايتها وجدتها أشبه بورقةٍ علميةٍ مُؤيَّدةٍ بالهوامش والمراجع وليست مُذكِّرة محكمة كما يكتبها المحامون، فلم أكترثْ بذلك، لأنَّني تمرَّست خلال بحثي على دراسة أحكام النقض الفرنسيَّة والأمريكيَّة، وكانت الدفوع والمذكِّرات خلال الدعوى تُكْتَب بطريقة البحث العلمي تماماً مع إسقاط وقائع الدعوى على الأفكار النظرية، فعلمتُ أنَّ المحاماة دون أوراق بحث علمي هي محاماةٌ مبتورةٌ دافِعُها الاستعجال.

وكان لشدَّة يقين خصومي بكسب الدعوى، أنَّهم حتى لم يوكِّلوا محامياً بل أقاموها بشكلٍ شخصيٍّ، وبعد شهر جاء موعد الجلسة الأولى.

ذهبت إلى المحكمة بلباسي الاعتيادي أو بالأصح: "الكاجول"، حيث لم يكن لديَّ أيُّ وقتٍ حتى أُغيَّر ثيابي أو أرتدي شيئاً رسمياً نظراً لطول وقت دوامي في الجامعة وعملي، ولا أُنْكِرُ أنَّ هيبة المحكمة قد نالت من ثباتي قليلاً للوهلة الأولى، فشعرتُ بضيق التنفُّس لثوانٍ ثم عدتُ لثقتي بالله وبعملي.

وصعدتُ الدرج إلى الطابق الأول حيث غرفة المحكمة، فقمتُ بتسجيل حضوري، وأبرزتُ مذكرة الدفاع الطويلة التي تجاوزت 10 صفحات، بينما قد تعارف المحامون على كتابة صفحة أو اثنتين على الأكثر، وعندما شاهد خصومي المذكرة أصابهم الذهول، فلم يتوقَّعوا أن يكون التقاضي بهذا التعقيد، ولذلك قاموا بالاستمهال، ولم يجدوا بُدَّاً من توكيل محامٍ لاستلام الدعوى.

ونظراً لقيمة الدعوى المرتفعة، فقاموا بتوكيل محامٍ من أدهى وأقدم المحاميين، وعندما شاهدته انطبعت في مُخيِّلتي الصورة التالية: كان عمره واضحاً على شعره الأبيض، وله انحناءة ظهرٍ بسيطةٍ، ولكنَّه كان شُعلةً من النشاط في المحكمة، كان سريع التنقُّل بين الغرف، وحادَّ النظرات، خبيثها، وعميق التفكير، وتمعَّنتُ في طريقة حديثه وتصرُّفاته من بعيد علَّني أكتشف خبايا شخصيَّته، فلمستُ العيب القاتل فيه، ألا وهو: "الغرور".

لقد قال المحامي العجوز للزملاء كلماتٍ مفادها، أنه سيكسب الدعوى خلال 10 أيام، وأنه سيجلس في المنزل مع زوجته مُعتزلاً المهنة للأبد إن لم يجعلْ هذا الصبي الذي يرتدي الجينز وقبعة الكاب يندم على اللَّحظة التي تورَّط فيها بهذه الدعوى!، وطبعاً كان يقصد بالصبي: أنا!!

الغريب أنَّني كنت أستطيع السيطرة على أعصابي بشكلٍ متينٍ، ثم استغرقتُ طويلاً بالتعمُّق في تحليل نفسيَّة المحامي الخبير هذا شيئاً فشيئاً، حيث كنتُ مرتاحاً جداً للغرور الذي بدأ يتملَّكه، وحتى أنَّني كنتُ أمنحهُ بعض الانطباعات التي تروق له، وتقصَّدتُ إظهار بعض القلق، حتى يعميهِ الغرور تماماً، ثم يبدأ بارتكاب الأخطاء الثمينة بالنسبة لي.

وقد حصل ما كنت أتوقَّعه بالفعل، فقام المحامي الخبير في الجلسة التالية بإبراز مستندٍ عقاريٍّ غير سليمٍ، حيث كنتُ أشكُّ بكونه ناتجٌ عن انتحال الهويَّة؛ لأنَّ صاحب الشأن الذي يحقُّ له استصداره قد كان مسافراً، فقمتُ بطلب مهلة 15 يوم من المحكمة، ثم تأكَّدتُ من عدم وجود وكالة بين صاحب الشأن وهذا المحامي، وعرفتُ حينها أنَّها فرصتي "الذهبية".

فقمتُ بالادِّعاء الشخصي أمام القضاء الجزائي بجرم انتحال الهويَّة تجاه الشخص الذي استخرج المستند، واستخرجتُ وصفاً للدعوى الجزائيَّة، ثم أبرزتُهُ في أول جلسة للدعوى المدنيَّة الأساسيَّة طالباً وقفها لحين الفصل بدعوى انتحال الهويَّة الجزائيَّة، وبالنتيجة كان سيتمُّ إبطال المستند الأساسي هذا، وخسارة خصومي للدعوتين المدنيَّة والجزائيَّة معاً، ممَّا سيجرُّ عليهم عقوبة الحبس مع الغرامة، وسيحقُّ عندئذٍ لأقربائي المطالبة بالتعويض، الأمر الذي سيُزيل الظلم عنهم حتى بعد بيعهم للعقار.

ولكن خصمي الخبير لم يهتمْ، بل تعامل مع الأمر بكل استهزاء واستخفاف، حيث أنَّ نصَّ القانون الذي يأمرُ بوقف الدعوى المدنيَّة قد جاء بوصف التزوير في المستند الرسمي على سبيل الحصر، فيما دعوى انتحال الهويَّة لم تتعارفْ المحاكم على وقف الدعوى المدنيَّة بناءً عليها طالما كان المستند صحيحاً وغير مزوَّرٍ، فانتحال الهويَّة على الرغم من اعتباره تزويراً معنوياً، إلاَّ أنَّه قد يؤدِّي لاستخراج نفس المستند الأصلي تماماً دون تحوير أو تغيير، وهذا ما حصل في هذه الدعوى.

ولذلك فقد اعتقد خصومي -جازمين- بأنَّ نهايتي قد اقتربت، وأنَّ أوراقي البحثيَّة ما هي إلاَّ حذلقةٌ وفلسفةٌ نظريَّةٌ مَحلُّها رفوف المكتبات المُغْبَرَّة وليس المحكمة، وأنَّ القاضي سيحكم لهم في الجلسة التالية بعد رفعها للمداولة.

ولكنِّي هنا كنتُ أُخفي لهم مفاجأةً من عيار "البحث العلمي" وليس "المحاماة"، حيث وجدتُ نصَّاً يمنح القاضي السلطة التقديريَّة بوقف الدعوى المدنيَّة في حالات استثنائيَّة مُعيَّنة يَستشْعِر منها تأثير نتيجة الجزائي على المدني.

ثم اعتمدتُ على هذا النص في آخر جلسةٍ، وقلت في مُذكَّرتي النهائيَّة أنَّ المستند المُستخرَج بانتحال الهويَّة واجب الإبطال لجهة شكله؛ فيجب استخراجه صحيحاً وفق الأصول قبل أن يتمَّ الاعتماد عليه في الحكم وإلاَّ سيكون هذا تشجيعاً على انتحال الهويَّة!، ثم تقدَّمتُ بطلبٍ فرعي –أي دعوى عكسيَّة- بإبطال المستند في الدعوى المدنيَّة استناداً على حكم المحكمة الجزائيَّة الذي سيصدر بها، وبالتعويض العادل.

وكان لشدَّة غرور خصمي المحامي الخبير أنَّه لم يرد على مذكرتي إلا بكلمتين: "أُنْكِرُ وأُكَرِّرُ"؛ أي أنَّه أنكر صحة كلامي وكرَّر مطالباته للمحكمة، ثم رُفِعَت الدعوى للمداولة والنطق بالحكم.

أذكر تماماً هذا اليوم، فقد كان في بداية شهر آذار/مارس، كان يوماً مُشْمِساً ممزوجٍ هواءٍ باردٍ، وعندما دخلت إلى قاعة المحكمة، وجدتُ القاضي يُوقُّعُ على القرار داخل ملف الدعوى، ولكنْ لم أجد أحداً من خصومي، فقلت لنفسي: يبدو أن القاضي قد التفت عن كلامي النظري واستجاب لعُرفِ المحاكم، فليس من المعقول أن يستجيب لشابٍّ يَتَحَذلقُ بالمعرفة، ويطلب إصدار سابقةٍ قضائيةٍ.

ولكن عندما وقع نظري على القرار لم أكدْ لأُصدِّقَ ما رأيت، لقد كانت تلك اللَّحظة أشبهُ بالحلم -وعليَّ الاعتراف أنَّها كانت أجمل لحظةٍ في حياتي-، لقد قرأتُ البند الأول من القرار واضحاً جليَّاً: "1- وقف الخصومة في الدعوى.."، نعم.. لقد اقتنع القاضي بأنَّ مِن واجبه إبطال المستند بعد ثبوت انتحال الهويَّة باستخراجه، ولذلك فقد أوقف الدعوى عبر سابقة قضائية.

عندها خرجتُ مُسرِعاً من قاعة المحكمة أبحثُ عن أحدٍ من الخصوم، فشاهدت محاميهم العجوز ينزل درج المحكمة ببطءٍ وتثاقلٍ غريبٍ عنه، لقد ذهبت كل طاقته واندفاعه وثقته، لقد تحطَّم غُرورهُ وانتثرت شظاياه، والحمد لله!.

بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص بورصة الأوراق الماليَّة)

ads
ads
ads
ads
ads