السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
ads
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

استعمار الهوية العربية على شواطئ الهجرة

الثلاثاء 16/يوليه/2019 - 04:59 م
طباعة
ads

أحياناً تبدو الحياة للمرءِ مُجرَّد تكرارٍ لا معنى له، ذلك إلى الدرجة التي يختفي معها الحافز للعيش، ثم يجد أنَّ الأبواب التي كانت مفتوحةً –أو حتى مواربةً- أمامه قد استحالت وأُغلقت بتوافقٍ غريبٍ.

 تلك هي حالة الشباب الذي يُعاني البطالة في وطننا العربي، ذلك الشباب الذي يُشكِّل نسبة الأغلبيَّة بين شرائح المجتمع؛ ممَّا يعني أنَّ النسبة العظمى من مجتمعنا العربي مُعطَّلةٌ، تتقاذفها المشاريع الفاشلة التي تأتي على رأس المال، أو الوظائف التي لا تُسمن ولا تغني من جوع فأضحت بطالةً مُقنَّعةً.

 عندها ينظرُ الغرب بخبثٍ إلى ذلك الشباب المُتْعَب، فاقد الأمل، مُحاوِلاً استمالته، وتغليف عقله ووجدانه بالدعاية الوهميَّة عن القيم الإنسانيَّة والرقيِّ الاجتماعي والرفاه والرغد -إلى حدود الكسل- في بلاد النجاح والأمل المُستجاب؛ حيث يتلاعب الغرب بمصطلح "اللُّجوء" فيجعله قريناً للـ "هجرة"، فإن كان اللُّجوء الإنساني: "نخوة" فإنَّ الهجرة: "استقطاب".

 وتأتي بعدها المرحلة التالية من محاولة "شَيْطَنَةِ" المجتمع العربي الذي ينتمي إليه الشباب، حتى يشعر بالضيق، والانعزال، والغربة، وانعدام التقدير، واختفاء الذات؛ بغرض منحه المزيد من جرعات اليأس ورفض الواقع بدل محاولة إصلاحه أو حتى تقبُّله والعمل على الأمل في الوطن.

 ثم تحين لحظة المرحلة الحاسمة، وهي مرحلة العبث بالانتماء والمعتقدات، فيطرح الغرب على الشباب العربي سؤالاً مُحتالاً مفاده: ماذا أفادك انتماؤك إن كنت تعيش في وطنك بلا أملٍ ولا كرامةٍ؟، كيف ستُكمل بقيَّة عمرك في هذا العوز وشحِّ الموارد؟.. فإن لمس الغرب استجابةً ولو بخائنة الأعين أو بتنهيدةِ يائسٍ، فَتَحَ أبواب الهجرة فوراً وإن تظاهر بالمبرِّرات الإنسانيَّة.

 تلك الأبواب التي ما هي إلاَّ مصائدٌ تعيش على غسل الأدمغة، ورسم واحات المياه السرابيَّة في الصحراء العربيَّة!

 ثم نشاهد ذلك المشهد المأساوي لمجموعة من الشباب العربي وهو يغرق حتى الموت على الشواطئ التي باتت مقابر جماعية للأجيال العربيَّة..

 ما الذي حدث لعقول الشباب؟ ما الذي حدث لهم وعاقروه حتى امتنع الأمل عن ولوج مُخيِّلتهم في بلدانهم؟ أين ذهبت محبَّة ذرَّات الرمل الصفراء المُقْفِرَة المُتصحِّرة الساخنة؟، ودفء العائلة ذلك الوطن الصغير؟ هل فشل الجيل السابق بالتربية أم أنَّ البحر قد تحوَّل إلى حضنهم الحنون الأخير بدلاً من حياةٍ بلا معنى؟

 والأكثر إيلاماً: كيف أصبح المجتمع العربي يرى ذلك المشهد في الأخبار دون أن يتحرَّك له جفن؟!

 الحقيقة أنَّ الأمم الغربيَّة لا تقوم حالياً -في عصر ما بعد التكنولوجيا- بإعادة توزيع ديمغرافيَّة البشر فقط، بل تقوم بإعادة تركيب الشعور الجمعي للأمم "العنيدة"، تلك التي لا تقبل الاستعمار المباشر أو غير المباشر؛ بهدف رفع نسبة الشباب في مجتمعاتها من جهة، وتغريب منافسيها في الثقافة والحضارة والأهم في الطاقات البشرية خوفاً من ولادتها من جديد، فأصبح "الغرب" مرتبطاً بصفة "الغربة".

 وكانت الأمَّة العربيَّة من أولى الأمم المُستهدَفة، وتليها الأمم اللاتينيَّة ذات التوجُّهات اليساريَّة الاستقلاليَّة مثل فنزويلا أو الأمم الإفريقيَّة التي تعاني الأمرَّين لا لذنبٍ ارتكبته سوى أنَّها منجمٌ للثروات الباطنيَّة والبشريَّة.

 فهل نكون بالسذاجة إلى درجة أن نظنَّ أنَّ الغرب قد تحرَّكت مشاعره الإنسانيَّة تجاه الشباب العربي المُغيَّب العاطل عن العمل الذي لا يُجيدُ -في معظمه- حتى الحديث بلغةٍ أخرى، في حين يموت الشباب الغربي ذاته برداً في الشتاء، وجوعاً في الصيف، وعراءً بين جناحَي الرياح في بلاد الرأسماليَّة غير المبالية بالوجود بل فقط بالنقود؟!

 إنَّ ما ينتظر الشباب العربي في الحقيقة أمران لا ثالث لهما:

       الأول هو "الغرق"، ومَن ينجو بعد قذف نفسه في التهلُكَة سيعيشُ في مُخيَّمات الذلِّ والهوان والضياع، حتى تلفظه الأحزاب الشعبويَّة والعنصريَّة التي باتت تغزو أوروبا حالياً، وهي تُصبح وتُمسي على إيذاء الشعوب المُهاجِرَة إليها.

        والثاني هو "تغيير الانتماء"، وهو غرقٌ من نوعٍ آخر.. إنَّه غرقٌ بالانتماء للذات والالتفات عن الجذور حتى النخاع، فينتقل الانتماء من الأمَّة "الأم" إلى الأمَّة "المُستقبِلَة" بعد الوفاء بشروطها من تقطيع شرايين الثوابت والأخلاقيَّات، إلى قبول بالإملاءات وتشويه الهويَّة والصورة الوطنيَّة الأصليَّة.

 في الواقع، لقد حاول الغرب منذ مئات السنين رسم الوطن العربي بالشكل الذي يريد، فكان الاستعمار القديم الذي بات مُكلفاً بشرياً ومادياً، فكان الاستعمار الاقتصادي الجديد عبر الشركات العابرة للقارَّات والقروض التنمويَّة الغادِرَة والذي بات مرهقاً في ظلِّ الأزمات الماليَّة والتباطؤ الاقتصادي وتقلُّبات أسعار الصرف، فكان: "استعمار الهويَّة".

 وما يُخيفُ المُتابِع للتغيُّر العميق في المجتمع العربي، هو إعادة تشكيل العقليَّة العربيَّة؛ حتى تنتقل من فلسفة تقبُّل الأمر الواقع، إلى قبوله والتفاعل معه، ثم إلى الإعجاب به واعتباره قدوةً ومثلاً أعلى.

 فصارت بعض العائلات العربيَّة تتغنَّى بنجاح ابنها في السفر "الهجرة"، وإنتاج المال "المعونة"، والتخطيط للمستقبل "الانتماء"، وانتظار الأمل الذي لا ينقطع للخلاص "التجنيس"!!.. دون أيِّ خجلٍ أو حتى حرجٍ!.

 هكذا تبدَّل بعض الفكر العربي، ولكن يا سبحان الله.. أليس الشابُّ الذي هاجر هو ذاته الذي كان فاقداً للأمل في بلده وهو يعيشُ على أرضه وأرض أجداده، لا يلومه في بقائه لائمٌ ولا يسأله في مُواطَنَتِهِ سائلٌ، يُرابط على حصون هويَّته العربيَّة ونِتَاج أمَّته الحضاري؟.

 فكيف تحمَّل هذا الشابُّ المهاجر إذاً فكرة الموت غرقاً أو الاختباء والهروب من المجموعات الغربيَّة العنصريَّة، والتنازل الكامل عن الانتماء والكرامة الوطنيَّة حتى بات يستجدي جنسيَّة دولةٍ غربيَّةٍ باردةٍ مارقةٍ في الحضارة الإنسانيَّة، تحلم ليلاً نهاراً بطمس تاريخ وهويَّة أمَّته العربيَّة ووزنها الحضاري؟، وتحلم للأسف بأن تخلع تاج التاريخ والإرث والهويَّة من يعرُب وقحطان حتى تضعه على رؤوس أحفاد قُطَّاع الطرق والقراصنة الذين يفوح من حديثهم غطرسة مُحدثَي النعمة وغاصبي الحقوق.

 وكأنَّ مأساة ملوك الطوائف بسقوط غرناطة مازالت تتكرَّر حتى أصبح المشهد اعتيادياً، والأكثر إيلاماً أنَّ المجتمع العربي غارقٌ في سباته العميق لا توقظه منه محنة ولا تخزه آهات شبابه المُغيَّب، وما فتئ خصومه الحضاريُّون –عن عمدٍ- بتكريس صورة السقوط العربي في الأندلس وفاجعة فلسطين الإنسانيَّة والأخلاقيَّة كمصيرٍ مستطيرٍ مرتبطٍ مع الهويَّة العربيَّة، حتى بات مصير الانهيار والفشل والتراجع والإحباط والقنوط ملتصقٌ بمُخيِّلة الشباب العربي.

 أين انتماؤنا لقضيَّتنا وليس لأنفسنا، لأرواح شهداء الأمَّة العربيَّة وليس لحياتنا الرغيدة، لقد كنَّا في عقودٍ ليست ببعيدةٍ نرفض مجرَّد الحديث عن المال إن حضر الحقُّ والواجب، فكيف نرتضي بصفقاتٍ اقتصاديَّةٍ لقضايا الهويَّة الوطنيَّة؟ كيف ستختفي صفة "العار" حينئذٍ.

 فإذاً مشكلة الهجرة ليست في سوء الأوضاع الاقتصاديَّة في الوطن العربي على الإطلاق مهما بلغت من السواد والظلم والمقت، بقدر ما هي في تلاشي الانتماء لأحلام أمَّتنا وتراثها ومستقبلها، واليأس التامُّ من تطويرها وإصلاحها.

 فإن سُئلت: ما هو الأفق القادم بعد موجة الهجرة؟، سأقول أنَّ مَنْ فقدناه جسداً على الشواطئ يُماثل مَنْ فقدناه روحاً وانتماءً محذوفاً من سجلاَّت المواطنين.. جفَّت الهويَّة، ورُفع العتب، وأزف الغضب، وملَّ التعب..

 بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص بورصة الأوراق الماليَّة)


ads
ads
ads
ads
ads