الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1441
ads
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

شجرة الشوك العربية.. "الفساد"

الأربعاء 04/سبتمبر/2019 - 04:35 م
طباعة
ads


يقتاتُ بعض الشباب العربي من موارد مشاريعِهِم، ويقتاتُ الكثير من العُمَّال في هذه المشاريع من أجورهم، ولكن أنْ تعتمدَ فئاتٌ واسعةٌ من شرائح المجتمع على رواتب البطالة المُقنَّعة المُرهِقَة للدولة، وفوائد الودائع البنكيَّة، وفروقات أسعار الصرف، وحتى النشاطات غير المشروعة؛ فهي مُؤشِّراتٌ بالغة الخطورة تدلُّ على وجود مشكلةٍ هيكليَّةٍ في الاقتصاد العربي.

فمنذ أن بدأت هذه العشريَّة الصعبة اعتباراً من عام 2010، ظهر واضحاً انحدار مستويات النمو، واستشراء البطالة، وانتشار داء التضخُّم في الاقتصاديَّات العربيَّة بشكلٍ مذهلٍ، وكأنَّ هذه المؤشِّرات تُحرِّكها قوةٌ دافعةٌ هائلةٌ عصيَّةٌ على المواجهة.

ولا أجدُ أبداً أنَّ من المنطق رمي مسؤولية الوضع الاقتصادي والمالي المتردِّي على انعدام الاستقرار الذي رافق بعض الفترات من تاريخ هذه العشريَّة، بل إنَّ هذه المحنة التي مرَّت بالوطن العربي قد كشفت عن هشاشة المركز الاقتصادي العربي.

حيث إنَّ الوضع الاقتصادي الذي كان سائداً قبل عشريَّة 2010 كان هادئاً جداً إلى درجة الركود، ثم مُتأثِّراً بشكلٍ غير ظاهرٍ بالأزمة الماليَّة العالميَّة التي نشبت في الولايات المتحدة ابتداءً من أواخر عام 2008.

فمن المعروف أنَّ الدول الصناعيَّة والتجاريَّة الغربيَّة الكبرى تُصَدِّر أزماتها، وترمي بركودها في أسواق مستعمراتِها الخاضعة لسلطَتِها في عصور الاستعمار المباشر.

ولكن ما يُثيرُ الدهشة هو أنَّ الاستعمار الاقتصادي والثقافي للوطن العربي بعد انتهاء حقبة الاستعمار المباشر لم يتوانَ عن محاولة إخضاع الدول العربيَّة، وكأنَّه يُعاقب الشعب العربي على كرامته وإِبَائِه.

فقد وجد الغرب الغارق بالأزمة الماليَّة العالميَّة عام 2008 أنَّ الاقتصاديَّات العربية هي الحاضنة الأَرْحَبْ للخسائر الماليَّة التاريخيَّة التي مُنيَ بها، فقام بانتشال بذور الشوك من أرضه ثم زرعها في أرضنا، وتركنا نحصد محاصيل الندم بِأَيادٍ مُتقرِّحةٍ.

فيبدو أنَّ عيون الغرب قد امتدَّت إلى الاقتصاديَّات العربيَّة، فوجدت فيها خيرَ مصدرٍ للسيولة غير المنقطعة، وخير سوقٍ استهلاكيٍّ، وخير مَصدرٍ للكفاءات والخبرات، ومجتمعٍ بدأت تأخذه سكرة الإعجاب بالغرب؛ فتُنْسِيهِ ارتباطه بهويَّته، وتمتدُّ عيون طاقاته نحو الفرص الخارجيَّة؛ نظراً للواقع المُحبِط.

وبالمقابل، فقد وجد الغرب في الوطن العربي خير المجتمعات من حيث الأمان والالتزام؛ فمُعدَّلات الجريمة فيها كانت متدنيَّة، ولا وجوداً بارزاً فيها للجريمة المُنظَّمة، وحتى أنَّ الشعب العربي أمينٌ بطبعه على حُرُمَاتهِ حتى في لحظاتِ وهنِ سلطة الدولة.

فإن تخيَّلنا حدوث المِحَن التي مرَّت بالوطن العربي في الغرب، لكنَّا شاهدنا الانفلات الدموي البراغماتي في صورته المُنظَّمة الأقبح.

وبناءً عليه، فقد تابع الغرب ما يمرُّ بالدول العربيَّة من أحداثٍ، مُحاوِلاً استغلالها وتَجْيِيرِها لحسابه، فحوَّلها إلى مصرفٍ كبيرٍ لسحب الأموال وإقراضها، ومنع عنها الهواء إنْ هي رغبت بالتحوُّل الصناعي أو التجاري، وأثابها نَهباً بثرواتها الماليَّة والبشريَّة حتى تُصبِحَ موطناً لليائسين العاجزين عن الإنتاج والعمل والإبداع.

ثم زخرفَ الغربُ القول، فوضع على خريطة الوطن العربي عنوان: "دولة فاشلة" “Failure State”، فيما أنَّ الغرب ذاته هو مَن زرع شجرة الشوك في مجتمعاتنا باستخدام: "الفساد" “Corruption”.

فالحقيقة التي نُواجِهُها اليوم، والتي ترزح على صدورنا، وتتفرَّع بجذورها الطويلة في دولنا، تلك الحقيقة هي السبب في كل ما نراه من مآسٍ، وهي أنَّ الفساد هو مصدر نهبٍ لسيولة الدولة.

فالدول العربيَّة لديها من الموارد ما كان يكفيها للنهوض بالمجتمع العربي إلى ما يتجاوز دولاً عديدةً تقف على قدمٍ واحدةٍ، إلاَّ أنَّ تلك الدول تضجُّ بالنشاط والدوران الاقتصادي نظراً لأنَّ إدارتها تتمُّ بضميرٍ.

فكيف تسرَّب الفساد إلى مجتمعنا العربي حتى بِتْنَا لا نأمنُ بعضنا بعضاً؟

عندما نعودُ بالزمن إلى ما وراء حقبة الاستعمار، سنجد أنَّ المجتمع العربي وقد كان مُطهَّراً من الفساد بسلطة "الأخلاق" وليس "القانون"، حيث إنَّ ضمير الأمَّة العربيَّة كان نضَّاخاً بالقيم، يُمثِّل وجداناً يحمل معه أرقى المُثُل الإنسانيَّة الإيجابيَّة.

وقد لاحظ الاستعمار الغربي ذلك، واعتبر أنَّ الأخلاق والثقافة العربيَّة هي عدوّه الأول، فقام بزرع العاداتِ الغربيَّةِ المُنْفَلِتَةِ مُحاوِلاً جعل الإنسان العربي أسيراً لرغباته ومصالحه الشخصيَّة، ومُبتَعِداً شيئاً فشيئاً عن مُنطَلَقاته، حتى بات اليوم هذا الإنسان يَسْخَرُ من حال وطنه المتشرذم ويَهزأُ من انتمائه العربي، فلا تَبرقُ مقلتاه دمعاً ولا حتى تنكسر نظرته حزناً.

وكمثالٍ حيٍّ، فقد مجَّدت الآلة الإعلاميَّة الأمريكيَّة في هوليوود الجريمة المُنظَّمة والفساد الأخلاقي المرتبط بها، فجعلت الوعي العام يَربِطُ بين الذكاء والحذاقة والنفوذ والنجاح وبين شخصيَّة زعيم المافيا، فأطلقت عليه في أفلامها منذ السبعينيَّات اسم: "العرَّاب" أو "الأب الروحي" “The Godfather” وأطلقت على ذلك المجتمع الإجرامي اسم: "العشيرة الصِّقليَّة" “The Sicilian Clan” أو غيرها من التسميات الخبيثة التي استخدمتها كأدوات لتوجيه السلوك.

وأحاطت تلك الأفلام بمسحةٍ وجدانيَّةٍ راقيةٍ وبموسيقى كلاسيكيَّةٍ مخمليَّةٍ تُخاطب أرقى المشاعر الإنسانيَّة، وكأنَّ تلك الأفلام لا تتحدَّث عن حفنة من المُجرِمِيْن المُرتَزِقِيْن من بيع المُخدِّرات والابتزاز وباقي الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانيَّة.

وكان ذلك -على ما يبدو- مقصوداً حتى تمنح المُشَاهِد مثلاً أعلى وليس صورةً ثقافيَّةً أو ترفيهيَّةً، وهي طريقةٌ في توجيه المزاج العام العالمي، وبشكلٍ خاصٍّ في المجتمعات الفتيَّة الحائرة في كيفيَّة إدارة حياتها، وإيجاد لقمة عيشها، وسبيل سَتْرِهَا.

فإذاً ما قام به الغرب المُستعمِر هو اختراقٌ لأخلاق الشعب العربي وانتمائه وضميره، لهدفٍ أكثر من بسيطٍ؛ هو أن يقوم الفاسدون العرب بإيداع ملياراتهم المنهوبة في بنوك الاستعمار ذات السريَّة المصرفيَّة الفاسدة.

  ولا يبدو لي أنَّ محاربة الفساد الذي زرعه الغرب فينا يتمُّ عبر إنشاء مؤسَّسات ولجانٍ حكومية أو حتى وزاراتٍ.

بل إنَّ الفساد هو شجرة شوكٍ يجب اقتلاعها من جذورها الأخلاقيَّة الكامنة في النفوس، فإن وجدت التربية صدىً مع الأجيال القادمة، فإنَّ الأجيال الحاليَّة بحاجةٍ إلى صدمةٍ كيانيَّةٍ وجوديَّةٍ كالتي نمرُّ بها، فلربَّما تتحوَّل إلى صدمةٍ إيجابيةٍ تُنْهِي "زمن الشوك"!

بقلم: الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصُّص بورصة الأوراق الماليَّة)

 

ads
ads
ads
ads
ads