الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأول 1441
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

الديماغوجية الاقتصادية.. والرؤى المستقبلية العربية

الأحد 27/أكتوبر/2019 - 10:23 م
طباعة
ads
 أذكُرُ عندما بدأتُ مسيرتي التعليميَّة طِفلاً صَغيراً يرى في المدرسة عالَماً جديداً بآفاقِهِ وأحلامِهِ البريئةِ، كانت المُعلِّمةُ تَعجزُ عن كَبحِ طموحنا لانتهاء الدرس في آخر دَقَائِقِه، وتَفشلُ عن ردعِ نظراتنا من النافذة مُنتَظِرِينَ رنينَ جرسِ النهاية، فكانت تُعاقِبُنا بالمزيد من الوقت حيناً أو بخفض المُعدِّل الدراسيِّ حيناً آخر. إلاَّ أنَّ مُعلِّمتنا عندما كانت تشعر بأنَّ أثر تلك العقوبات في نفسنا ضعيفٌ، كانت تقول لنا: "ألا تعلمون لماذا تمنعُ عنكم إدارةَ المدرسةِ الخروجَ قبلَ رنين جرس نهاية الدرس؟.. ذلك لأنَّه يوجد رجلٌ يخطف الأطفال في فترات الهدوء بين الدروس، ولم تستطعْ إدارة المدرسة القبض عليه حتى الآن!!".  

عندها كانت سَرائرُ الأطفال تَرْتَعِدُ، ورغبتهم بالخروج تتلاشى؛ خشيةً من الوقوع ضحيَّةً للخاطف الوهمي، فيعودُ إليهم التركيزُ في موضوعِ الدرسِ دون عناءٍ أو عقوباتٍ. هكذا هو حال "الخِطاب الديماغوجي"؛ فهو ببساطةٍ محاولةُ قيادةِ سلوك الشخص الذي تتمُّ مُخَاطَبَتُه عبر حديثٍ خياليٍّ بالاستناد إلى مخاوفٍ كامنةٍ لديه؛ وقد جاء مصطلح: "ديماغوجية" من اللُّغة اليونانية: "ديما" تعني الناس، و"غوجية" تعني التوجيه؛ أي "توجيه الناس". مثلما عجزت مُعلِّمة المدرسة عن ضبط الطلاب وإقناعِهِم بالدرس، فقامت بتوجيه سلوكِهم نحو البقاء في الدرس هادِئِينَ والانصياع لأوامرها عبر توجيه خطابٍ خياليٍّ بالاستناد على مخاوف الطلاب من الخطف "ديماغوجية". وفي الوقت الذي نرى فيه الشعوبِ العربيَّةِ ترزحُ تحت مخاوفِ عدم تأمينِ احتياجات الحياة الأساسيَّة كرَغيف الخبز وجُرعة الماء وأنبوبة الغاز المنزليِّ، نرى فيه المواطن الأوروبيَّ يزور مسرح الأوبرا ويحتسي كأساً من النبيذِ مقابلَ مبلغٍ يكفي للعيش مدَّة أشهرٍ في الدول النامية ومنها العربيَّة.

 فما هو سرُّ هذا الاختلاف الجوهريُّ في تكلفة المعيشة ومستوى الدخل؟ هل إنَّ موارد الدول الأوروبيَّة أكبر؟ أم أنَّ اليد العاملة فيها أكثر؟ وما تأثير ذلك على الخطاب الاقتصادي العربي؟ نجد اليوم أنَّ ألمانيا الصناعيَّة تُورِّد من البضائع كلَّ ما تحتاج إليه أوروبا؛ رغم كل الحروب العالميَّة الطاحنة التي صبغت التاريخ الأوروبيَّ بالدماء، منذ حروب نابليون إلى الحرب العالميَّة الأولى ثم الثانية مع ألمانيا ذاتها. ونجد نظاماً مصرفيَّاً أوروبيَّاً مُتضامناً، وحدوداً أوروبيةً شبهَ مفتوحةٍ للسياحة أمام المواطنين، ومع الوقت بدأت لعبة المصالح تجمع القوميَّات المتنوعة المتصارعة منذ مئات السنين، حتى بِتْنَا نرى الأنشطة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة في أوروبا مُختلطةً بين الجنسيَّات الأوروبيَّة المتنوعة، وكأنَّنا نُمعِنُ النظرَ في لوحةٍ تشكيليةٍ بديعةٍ. وكانت النتيجة أنَّ كلفة الترفيه البسيطة للمواطن الأوروبيِّ ليومٍ واحدٍ تتجاوز كلفة معيشة المواطن العربي لأشهرٍ؛ فالدائرة الاقتصاديَّة الأوروبيَّة تعملُ بشكلٍ متكاملٍ ومتناغمٍ ومتضامنٍ حتى في وقت الأزمات، ذلك دون خطاباتٍ بالوعود بل في ظلِّ العمل الدؤوب الصامت. بينما في زمننا العربيِّ هذا الذي تضربُ فيه رياح الشتات والعزلة والتقُوقُع والتناحر الدول العربيَّة الشقيقة لأتفهِ الأسباب، نرى فيه كلاًّ منها تقوم بالتخطيط الاستراتيجيِّ متوسِّطِ وبعيدِ المدى على أساس مواردها الذاتيَّة؛ وكأنَّها تعيش في جزيرةٍ معزولةٍ عن العالم. فما سرُّ هذا الاندفاع العربي نحو الرؤى الاقتصاديَّة المستقبليَّة التي أصابها داء "التوحُّد مع الذات"؟ من الواضح أنَّ الشعب العربيَّ قد ملَّ الانتظار في طوابير الوظائف والسعي وراء تجارةٍ لا تنتهي دورة رأسمالها إلاَّ في صناديق الضرائب أو في جيوب الفاسدين. فبات الإنسان العربي يخشى من قدوم الغد، يخشى من نظرة عائلته إليه وهو غير قادر على تأمين ما يَستُرُهُم؛ ومن هنا جاءت الرؤى الاقتصاديَّة حتى تستند على مَخَاوِفِ هذا الإنسان، فتقول له إن لم تصبرْ على أوجاعك وتعمل دون مقابلٍ يُذكر فإنَّ الاقتصاد سينهار، أمَّا إن صمتَّ فإنَّ المكافأة ستكون نجاح الرؤى الاقتصاديَّة المذهلة في المستقبل؛ أي أنَّ الاستناد على الخوف جاء مقترناً بالوعد بالرَّغد. لقد باتت تلك الرؤى التي تصل إلى 2030 و2050 أمراً معتاداً في الخطاب الاقتصادي العربي، فيتجلَّى الخطاب الاقتصادي مُستَشرِفَاً الدول العربيَّة وقد تحوَّلت من أرضٍ قاحلةٍ إلى غابات الأمازون التي لا تأكلها الحرائق! كما قد أمطرت السماء عليها بالوظائف، وسارت عجلة النمو الاقتصادي دون فرامل، وانقلب العصر العربي القاتم الذي نعيش إلى عصرٍ أندلسيٍّ نتراخى فيه على الأرائكِ من كثرة الخيرات!

 الحقيقة أنَّ التخطيط الاقتصادي العربي في كلِّ دولةٍ على حدة لن يستطيع رسم لوحةٍ مستقبليَّةٍ لوحده، وإن حاول فإنَّ النتيجة ستكون اختلالاً في موازين الحسابات. فيما يبدو تقليدَ النموِّ الصيني أو الهندي بمفرده أمراً خاطئاً من الناحية المنهجيَّة؛ فالصين والهند كل منهما دولة مُوحَّدة، وليست قبائلَ مُشتَّتةٍ يَقتلعُ أفرادها عُمُدَ خيامها للإطاحة ببعضهم البعض.

 وإن نظرت الدولة العربيَّة خارج إقليمها العربي، فالأمر سينتهي بها إمَّا إلى "الابتلاع" نظراً لانعدام القدرة التنافسيَّة لديها أو "الارتهان" تبعاً للحلم الغربي البراجماتي الأزلي في السيطرة على الوطن العربي بغرض سرقة موارده واستغلال موقعه، والأهمُّ كبح عنفوانه وأحلامه؛ فالعالم الغربي لم ينسَ بعدُ كابوس التفوُّق الحضاري العربي عليه في الماضي.

 ومن هنا، فإنَّ الرؤى الاقتصاديَّة العربيَّة إنْ هيَ لم تُثبِتُ بالبرهان كيفيَّة تنفيذها والمحيط الاقتصادي الذي سَيُسَاهمُ بتحقيقها، فلن تلقَ أفضل من مثيلاتها من مُخطَّطات التطوير الاستراتيجي منذ الاستقلال، وستندرج في إطار التوجيه نحو الصبر على الخيار الخاطئ؛ وهو الانعزال الاقتصادي عن الحضن العربي.  

وبالتالي فإنَّ الرؤى العربيَّة المستقبليَّة المُجتَمِعَة والمُتَكَامِلَة والمُترابِطَة والصَّادِقَة هي أمرٌ ضروريٌّ لــ: "التحفيز بالأمل" وليس "التضليل بالأمل". فكلُّ "رؤية" منعزلةٍ بمفردها هي مُجرَّد "أحلام يقظة" أو "معجزات" لا يمكن إقناع الشعب العربي بها؛ فهو الشعب الأصعب في الإقناع، الشعب الذي بَرَعَ في علم المنطق والكلام، خَاسرٌ مَنْ يُرَاهِنُ على سَذَاجَتِهِ، وفَاشلٌ من يُحاول إقناعه بالديماغوجية الاقتصادية!
ads
ads
ads
ads
ads