الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
ads
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

إدارة القلق في نفسية المحامي

الأحد 01/ديسمبر/2019 - 02:48 م
طباعة
ads
إدارة القلق في نفسية المحامي تُشبِهُ نفسُ الإنسان السفينة الشراعيَّة؛ فهي ترتحلُ جيئةً وذهاباً على أمواجٍ لا استقرار لها، تَمْتَطِي مزاجيَّة البحر، وتتغذَّى على غموضه، ترضخُ لمدِّه وجزره بلا مقاومةٍ. وتكتملُ اللَّوحة مع إضافة نوازع النفس المُتناقِضَة بين الطموح والطمع، حيث تكمن تناقضات الإنسان التي لا نهاية لها.

 وفي المحكمة، تَتواجه هذه النوازع وجهاً لوجه بكلِّ تناقُضَاتِها، تحمل معها غرورها المُصطنع، فتتشدَّق بنفوذها وحذاقتها، ناسيةً أنَّها تتلاعب بالمصائر والحقوق. فنرى المحامي حاملاً حُزمةً من الأوراق المُتراصَّة، ساعياً وراء خَتْمِها ومَنْحِها الصفة الرسميَّة، راغباً بقرارٍ قضائيٍّ في مصلحته دائماً، فيما تَتنازعُ ذات الظروف والضغوط في نفسيَّة خصمه المحامي الآخر. وفي خِضَمِّ هذه المعارك غير المرئيَّة، تَظهرُ المهارة النفسيَّة الأكثر حسماً للنزاع، وهي كما أراها: "إدارة القلق". 

خلال تجربتي، صادقتُ مُحامِيَّيْنِ على طَرفَيْ النقيض بخصوص إدارة القلق؛ فكنتُ أرى أوَّلهما دائمَ التهرُّبِ من دعاوى الخصومة، وبعد أن غِبْتُ عنه لـ 10 سنوات –خلال دراساتي العليا-، رَجعتُ فوجدته ما زال غارقاً بين الأوراق الروتينيَّة التي تُحقِّق مصالح الناس المُحقَّقة. 

بينما كان صديقي المحامي الآخر كثير الحركة وواسع الطموح، إلاَّ أنَّه كان مُتسرِّعاً في تقدير الأمور؛ فيَسعى فقط إلى تكديس ملفَّات الدعاوى على مكتبه، ثم يَمتطي خيل الاستعجال المُترنِّح؛ وبعد غيبتي عنه لـ 10 سنوات وجدته ما زال يدورُ في حلقاتٍ مُفْرَغةٍ من الدعاوى الفاشلة التي يخسرها باستمرارٍ، فيُعلِّق أخطاءه على الظروف وسوء الحظ، مع أنَّ السبب واضحٌ؛ وهو رعونته وانعدام مسؤوليَّته. 

فيبدو لي أنَّ "القلق" هو إحساس زائدٌ بالمسؤوليَّة، بينما "انعدام القلق" هو انعدامٌ في المسؤوليَّة. وأنَّ المحامي القَلِق هو فاشلٌ لانعدام شخصيَّته بسبب وقوعه أسيراً للمخاوف، بينما المحامي المُتهوِّر هو فاشلٌ لانعدام واقعيَّته بسبب مُبالغَتِه بتفاؤله. 

والواقع أنَّ مجتمع المحكمة هو مجتمعٌ مُتصيِّدٌ للأخطاء؛ ولذا، يجب أن يتَّسم المحامي بـ: "القلق الإيجابي"، ويتجاهل: "القلق السلبي".

 وفي إحدى المواقف في دعوى عصيبةٍ واجهتني، كان المدعي مُستفيداً من عقدٍ مكتوبٍ على غير الواقع، فتمسَّك محاميه بالعقد على اعتبار أنَّه بيِّنة كتابيَّة لا يجوز دحضها إلاَّ ببيِّنة كتابيَّة أخرى، وكانت تلك البيِّنة عزيزةً في مثل هذا الموقف في ظلِّ الضرر المادي الكبير الذي سيحيق بالطرف الذي أُمثِّله.

 فهنا لم يكن أمامي بُدَّاً من طلب استجواب خصمي شخصيَّاً، الأمر الذي كنتُ أهدف من ورائه إلى استجراره بالكلام، ثم تحليل محضر جلسة الاستجواب بغرض استخراج إقراراتٍ قضائيَّةٍ واضحةٍ منه تتناقض مع العقد المكتوب، ولكن للأسف فإن القاضي لم يقتنعْ بوجوب الاستجواب؛ احتراماً للعقد المكتوب، فلم يبقَ أمامي سوى حلٌّ وحيدٌ، ألا وهو اليمين الحاسمة القادرة على نقض العقد المكتوب.

 فطلبت اليمين الحاسمة أمام المحكمة، وأعلنتُ صيغتها لخصمي، وكنت أدرك أن القاضي غير مقتنعٍ بما أفعل، ولذلك أكَّدت في صيغة الطلب أنَّه ليس للمحكمة سلطةٌ تقديريَّةٌ في توجيه اليمين الحاسمة من عدمها إلاَّ في حالة اليمين الكيديَّة، وطلبُنا أبعدُ ما يكون عن ذلك؛ لأنَّه سيحسم دقَّة العقد المكتوب، وهو الدليل الوحيد في الدعوى. 



ونظراً لعدم اقتناع القاضي، قام بتغيير صيغة اليمين بشكلٍ جذريٍّ على خلاف ما طلبتُ أنا، فجاءت الصيغة الجديدة مائعةً وغامضةً تحتمل أكثر من معنى، حتى أنَّ الخصم سيحلف عليها دون أن يُشكِّل ذكر اسم الله أي رهبة لديه؛ لأنَّه سيقصد في نفسه المعاني الموازية للمعنى المطلوب.

 وفي اللَّحظة المفصليَّة التي قرأتُ فيها قرار القاضي بتعديل صيغة اليمين، كان جهدي في هذه الدعوى الذي امتدَّ لأكثر من 3 سنوات يلفظُ أنفاسه الأخيرة، فإن جاء محامي الخصم في هذه اللَّحظة ووافق على الحلف بالصيغة الجديدة، سينتهي الأمر وتجفُّ الأقلام وتُرفَع الصحف.

 ولذلك نظر إليَّ القاضي بابتسامةٍ صفراءٍ، وسألني: "هل ترغب بالاعتراض على صيغة اليمين الجديدة؟"، لم أجِبه أبداً، فقال المحامي شريكي في هذه الدعوى للقاضي أنَّنا نعترض على صيغة اليمين، فهنا أمسكت بالمحامي شريكي من ذراعه بقوَّة، وقلت أنا للقاضي: "لا بأس من دقيقةِ تشاورٍ، أليس كذلك؟"، فانقلبت ابتسامة القاضي الصفراء إلى اعتدالٍ وحذرٍ. وبعد التشاور، رجعت أنا ومعي المحامي شريكي في هذه الدعوى، وقلت للقاضي: "نحن نتراجع عن طلب اليمين الحاسمة، وهذا حقُّنا طالما لم يَقْبَل خصمنا الحلف بعدُ، ونُكرِّر طلبنا استجواب الخصم.."، فهنا احتدَّ القاضي، واحمرَّ وجهه حتى كاد يُخيَّلُ إليَّ أنَّه سينفجر من الغضب، فوجَّه سبَّابته لي قائلاً: "المحكمة ليست مكاناً للعبث.. القاضي لا يجلس على هذا الكرسي حتى يقوم بما تأمره أنت"، فأجبته بهدوءٍ وكانت خيالات سلطة التفتيش القضائي بذهني: "أستاذ فلان، طَلَبُنا واضحٌ وهذا حقُّنا بموجب القانون"، فقال القاضي: "هل تريد أن تُعلِّمني القانون، هيَّا تعال واجلس مكاني وأكمل المحاضرة!". فالمشكلة أنَّ بعض القضاة يتحسَّسون من المحامين الحاملين لدرجة الدكتوراه، ويبقى لديهم رغبةً في إفشالهم، والكشف عن أنَّ تلك الدرجة هي محض هراء، مع أنَّ الدكتوراه هي درجة علمية فلسفية لا يمكن إنكارها، ولا تمس بالضرورة مهنة المحاماة أو القضاء.

 وعلى أيَّة حال، رفض القاضي طلبنا بالتراجع عن اليمين الحاسمة، فقمتُ بتقديم طلب التراجع هذا عبر مستندٍ مكتوبٍ حتى يُسجَّل في ملف الدعوى. وبالنتيجة، فعلى الرغم من تحليف القاضي لخصمي على غير رغبتي، إلاَّ أنَّ الطعن الذي تقدَّمتُ به لمحكمة النقض/التمييز كان في محلِّه، فالتحليف لم يكن صحيحاً لأنَّني تراجعتُ عن طلبه. وبعد أن عادت الدعوى من الطعن، كان القاضي القديم قد انتقل إلى دائرة أخرى، فدخلت الدعوى في ظروفٍ جديدةٍ إيجابيَّةٍ كليَّاً بالنسبة لنا، وعندما استشعر الخصم ذلك، طلب الصلح، وانتهت الدعوى حُبيَّاً بعد أن أخذ كلُّ ذي حقٍّ حقه. 

وبناءً عليه، فإنَّ اللَّحظة التي طلبتُ فيها التراجع عن اليمين الحاسمة كانت هي لحظة إدارة القلق، فلو أنَّني انجرفتُ مع قلقي من القاضي المتوتِّر لما ساهمت بانتزاع الحق. فالقلق كما هو شريك المحامي لاستيفاء الحذر، هو بالمقابل عدوه الأول، وحل الإشكالية يكمن في إدارة القلق، فكيف سيكون الأمر مع إدارة القاضي لقلقه؟ هذا ما سنراه في مقالتي القادمة إن شاء الله.
ads
ads
ads
ads
ads