السبت 18 يناير 2020 الموافق 23 جمادى الأولى 1441
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

المتهم مدان حتى تثبت براءته.. مقولة القاضي القلق

السبت 04/يناير/2020 - 03:20 م
ads
طباعة
ads
المتهم مدان حتى تثبت براءته.. مقولة القاضي القلق لستُ ذلك القانونيَّ الذي يُرخِي عباءة القَدَاسَة على شخصيَّة القاضي؛ فهو يبقى إنساناً وقد يخطئ، والأدهى والأمر أنَّ خطأ القاضي مُدمِّرٌ لثقة الناس في عدالة المحكمة نفسها، ولكنَّني في المقابل لستُ من هواة التعميم.

فالقاضي ذو الأخطاء الجسيمة لا يُمثِّل إلاَّ نفسه ويبقى للمؤسَّسة العدليَّة بصفةٍ عامَّةٍ والقضائيَّة بصفةٍ خاصَّةٍ هيبتها ومركزها ووقارها. جاءني ذات مرَّةٍ أحد الأشخاص وهو مُهتَرِئ الملابس، مُتعَب النظرات، كثيف الشعر، ضخم الجسد.. كان يتلهَّف للحديث معي، فأخذني الاستغراب في البداية؛ حيث قلت لنفسي: "لا يبدو من هذا الرجل سوى أنَّه مصدر للمشاكل، فأيُّ قدرٍ سيءٍ أتى به إليَّ!". قلتُ له: "استرحْ"، ولكنه لم يسترحْ، وبدأ بسرد قصَّته التي جعلتني أُغيِّر نظرتي للطريقة القضائيَّة في إصدار الأحكام من جذورها. قال لي: "أحد الأشخاص على عداءٍ قديمٍ معي، وقد أقسم أن ينتقم منِّي شرَّ انتقام"، فقلت له: "هل هدَّدك بأن يحيق بك الأذى بشكل صريح وعلى الملأ؟"، فقال لي: "لا.. هو مُثقَّف ويعرف حدوده في القانون، هدَّدني أن ينتقم منِّي أمام المحكمة!". فقلتُ له -وقد أسدلت جفوني باستخفاف-: "المحكمة ليست مكاناً للانتقام، بل لتحصيل الحقوق؛ فالقاضي لا يحكم إلاَّ بموجب أدلَّةٍ ومستنداتٍ، وإلاَّ فإنَّه سيكون هو شخصيَّاً محل المحاسبة المسلكيَّة..". وهنا بدأت موجة هستيريَّة لدى هذا الشخص، فأمسك بشعره بشكلٍ فظٍّ، وقال: "إنَّ هذا المثقف يقصدُ أنَّه يريد الافتراء عليَّ بشكل مُحكمٍ لا مَخرجَ منه أمام المحكمة...!".

 فهنا أدركتُ الورطة التي وقع بها هذا الفظ، فخصمه من النوع الذي لا ذمَّةً لديه، فلا يدين بالولاء لا لدينٍ ولا لخُلُقٍ؛ هذا النوع من الناس تجدهم في المحاكم كالقوارض التي تقتات من سرقة الحقوق في الظلام، لا عمل لهم سوى إلباس الحق لبوس الباطل وتغليف الباطل بعباءة الحق. تجدُ أحدهم يُشْهِدُ الله على ما يقول، ثم يقول ما يشاء!، يضعُ يده على كتابه المُقدَّس وكأنَّه يضع يده على قرطاسٍ عاديٍّ!! والطامَّة الكبرى، هي أن يقف شاهد الزور هذا أمام قاضٍ قلقٍ لا جدارةً لديه حتى أن يقرأ ملف الدعوى، فكيف له الحكم بحيثياتها؟! والفاجعة القانونيَّة الأكبر، هي أن يكون هذا القاضي قاضياً جزائيَّاً؛ فالقانون الجزائي منح القاضي سلطة الحكم وفق القناعة الشخصيَّة بتقدير الأدلَّة.  

وهنا أساء بعض العرف القضائي استيعاب هذا المبدأ فظهرت مبادئ قضائية مبتورة، مثل الحكم وفق السوابق دون النظر للدليل، وعدم إجبار الشهود على الحضور في حال عدم حضورهم طوعاً، وإدانة المتَّهمين أو تبرئتهم بناءً على مظهرهم أو ملبسهم أو حتى تسريحة شعرهم! فإن لم يكنْ هناك دليلٌ ماديٌّ في الدعوى، ولم يرقْ المتَّهم للقاضي؛ أدانه، أمَّا إن استحسنَ هيئته وكلامه؛ برَّأهُ!! لقد وَجدتُ القاضي الجزائي الذي سيحكم في هذه الدعوى وقد تقمَّص شخصية "شالوك هولمز"، وطغت موسيقى "النمر الوردي" على المكان، فهَمَزَ هذا القاضي لكاتب المحكمة وابتسامة التذاكي تَغمرُ وجهه؛ قائلاً: "المتَّهم كثُّ الشعر، ويبدو عليه أنُّه عنيفٌ؛ لهذا فهو مَن قام بجريمة الإيذاء!!".  


هذا النوع من القضاة يبدو عليهم الجهل في مضمون القانون، إلاَّ أنَّ الحقيقة هي أنَّه لا يوجد قاضٍ في أيَّة محكمةٍ إلاَّ وقد اجتاز امتحانات ذات معاييرٍ عاليةٍ، فالقاضي أينما كان يتمتَّع بتأهيلٍ عالٍ؛ فالمشكلة ليست في معرفة بعض القضاة بل في نفسهم القلقة المتوتِّرة نظراً لقلَّة الخبرة أو عدم الجدارة. نظرتُ لهذا القاضي الذي يغلبه القلق، فوجدته يُقلِّب أوراق الدعوى، ويتمعَّن في كل واحدة منها، وكان يُقرِّبُ الورقة من عينيه حتى كدتُ أظنُّ أنَّه ضعيف البصر، ولكنَّها كانت البصيرة. وفي الحقيقة، لم أكنْ أريد قبول الدفاع عن المتَّهم، ليس لأنَّه فوضوي المظهر أو غريب التصرفات، بل لأنَّني أعرف أنَّ القاضي الذي سيُصدِر الحكم يرتبك من الدعاوى الغامضة فيُصدر بها أحكاماً اعتباطيَّة بالإدانة مُعتمِداً على إحساسه المُضطَرِب! رغم أنَّ إحساسه لم يَصدُقْ يوماً!! حتى أنَّ معظم أحكامه يتمُّ نقضها. ولكنَّني وجدت أنَّ من واجبي التصدِّي لهذا التحدِّي القانوني المزدوج، فالمتَّهم يقع بين مطرقة القاضي القلق دائماً الذي اعتاد على أحكام الإدانة دون دليلٍ سوى إحساسه، وبين سندان المُدَّعي المفتري الذي اعتاد على شهادة الزور!!... وياله من تحدٍّ.  


كنتُ أعرف أنَّ الاعتماد على اقتباسات مثل: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، أو أنَّ الإدانة تنال من مستقبل المتهم؛ ولذلك يجب أن تعتمد المحكمة على "دليل قاطع لا يقبل الشك"، كنت أعرف أنَّ القاضي القلق لن يلتفت إلى مثل هذه المبادئ المُستقرُّ عليها؛ ببساطة لأنَّه يجد في نفسه العبقريَّة حتى يُرسِي مبادئاً قانونيةً جديدةً تعتمد على الإحساس. والمشكلة أنَّ مصدر إحساس هذا القاضي هو نوعٌ من الغرور المُختَلِط بالارتباك الشديد والقلق، وكان وجهه يصطبغ بالصُّفرة والخضرة عند استجواب المتَّهم وإصدار الأحكام. وللأسف فإنَّ القاضي القلق لم يشعر يوماً أنَّه في غير مكانه، وأنَّه غير مؤهَّل لتحمُّل مسؤولية إصدار أحكام الإدانة الجزائية، بل كان يرتدي معطفاً طويلاً سميكاً، ويمشي بخُيَلاء المُحقِّقين القُدامَى ذوي الرؤية الثاقبة، ولا يَملُّ من استرداد ذكريات حسمه لأصعب الدعاوى بحدسه الخارق للطبيعة!! المهم أنَّني كنت أحاول أن أجد حلاًّ للشيفرة الدماغيَّة الخاَّصة بهذا القاضي المُتفرِّد، ولكن للأسف بمجرَّد أن شاهد المتَّهم الضخم حتى بَرَقَت عيناه، وبدأ يفتح ملف الدعوى ويغلقه عبر حركاتٍ متوترةٍ، ثم بدأ يلتفت يميناً ويساراً حتى بدأت أنظر معه في ذات الاتِّجاه، ولكني لم أجد شيئاً لا عن يميني ولا يساري! لقد وصل هذا القاضي إلى قمَّة ارتباكه مع هذه الدعوى؛ فهو يُدرِك تماماً ما يعنيه وجود اسمي بين هيئة الدفاع، حيث سيقع أبسطُ خطأٍ منه أمام ناظِرَي هيئة الطعن في الاستئناف ثم النقض/التمييز بلا مواربةٍ أو إحراجٍ

 أمَّا عن أخطاء التقدير والإحساس التي اعتاد عليها فستَظهرُ على شكل الخطأ المهني الجسيم، وهذا ما يخشى الوقوع فيه أيّ قاضٍ كانَ. وللأسف، فقد جاء الخصم حالف الزور وقام بحنث اليمين بكلِّ سلاسةٍ دون يرفَّ له جفنٌ على أساس أنَّه شاهدٌ للحق العام، وبدا أنَّ موقف المتهم قد أضحى بالِغَ التعقيدِ في ظلِّ عدم وجود أيِّ شخصٍ شاهدٍ على الواقعة. وبعد لحظاتٍ، نظرت لغرفة القضاة، فقام القاضي من مقعده مُتناولاً قدحَ شايٍ من زميله الجالس على الطاولة الأخرى بجانبه؛ في حركةٍ استفزازيَّةٍ لي؛ على اعتبار أنَّ المسألة قد حُسمت، فأرينا ماذا ستفعل؟! في الحقيقة كنتُ أنا أتوقَّع كلَّ هذا السيناريو وحضَّرت له على الخصوص، وهذا من التكتيكات الواجب اتِّباعها في مراحل التقاضي، فلا يكفي أن يكون موقفك قوياً، أو دليلك قاطعاً، بل يجب أن تتوقَّع الأسوأ دائماً، وأن تَفتَرِض زوالَ كلِّ عواملِ قوَّتكَ أمام القاضي، ثم أن تضع مجموعةً من الخطط البديلة التي لا تقلُّ قوَّةً ودهاءً.  

وعلى النقيض من ذلك، فقد كان خصمي يعتمد على يمينه كشاهد حق عام بشكل كاملٍ ونهائيٍّ دون التفكير فيما بعده، على اعتبار عدم وجود أيِّ دليل آخر، فالمسألة أصبحت محسومةً -من وجهة نظره-؛ بسبب مَظهرِ المتَّهم الضخم، ووجود سابقةٍ لديه بالضرب "إيذاء مقصود" تجاه نفس الشخص منذ سنة تقريباً. ولكن الجميع في غرفة المحكمة غابت عنهم أهم نقطة، وهي سند شهادة الحق العام؛ أي ما هو السند القانوني لهذه الشهادة أساساً؟ ليس لها أيُّ سندٍ من مواد أصول المحاكمات الجزائية! بل مُجرَّد عرفٍ قضائيٍّ في حالات عدم وجود دليلٍ آخرَ، خاصَّةً في دعاوى الإيذاء!! فهنا طلبتُ رفض اليمين غير الموضوعيَّة؛ لأنَّها وقعتْ من المدعي دون سند قانوني، وأرفقتُ ذلك بالمستند الذي طلب المدعي عبره التعويض عن الأضرار الماديَّة والمعنويَّة، ووضَّحت أن القانون والقضاء في الجزائر مثلاً لا يقبل شهادة الحق العام من المدعي إن كان طالباً للتعويض.

 كما أكَّدت على أنَّ القاضي الجزائي غيرُ مُلزَمٍ بالاستدلال بناءً على أيَّة شهادة مهما بلغت قوَّتها إن لم يكنْ مقتنعاً بها، فما بالُنا بشهادة مُدَّعٍ يريدُ التربُّح من شهادته، فماذا يَضمنُ صدقه وموضوعيَّته؟ وأضفتُ إلى ذلك بعض الظروف من وقائع الدعوى التي كانت تُوضِّح تماماً أنَّ الدعوى هي محضُ افتراءِ؛ مثل ادِّعاء وقوعها في مكانٍ مكتظٍّ دون أن يُثبتها المدعي ولا حتى بشاهدٍ واحدٍ، وعدم صدور أيَّة أصواتٍ كما أقرَّ المدَّعي نفسه. وبالطبع، التفتَ القاضي القلق إليَّ، وقال: "نحن لسنا في الجزائر، والدعوى ملك يمين قناعتي؛ فلا تحاول إقناعي حتى تُبرِّئ المتهم فقط"، فقلت له: "أستاذ فلان.. نعم أنا أحاول إقناعك بالبراءة لأنَّه لا دليل على الإدانة"؛ وكنت أقصد أنَّ عدم ثبوت الإدانة يُوجِب الحكم بالبراءة ولا يهمُّ قناعة القاضي بالبراءة فيكفي عدم قناعته بالإدانة، حيث يُفسَّر الشك ف مصلحة المتَّهم دائماً. فهنا أخطأ القاضي لشدَّة توتُّره، وقال: "المتَّهم مدان حتى تثبت براءته!!".  


عندها طلبتُ فوراً من كاتب المحكمة أن يُثبِتَ هذه الجملة في محضر الجلسة، إلاَّ أنَّ القاضي استشاط غضباً، وقال: "لقد قصدت العكس.."، ولكنَّه في الواقع كان يقصد ما قال، وكانت زلَّة لسانٍ، ثم أصدرَ قراره بالإدانة استناداً على شهادة الحق العام الضعيفة، وانتقلت الدعوى للاستئناف. وبعد يومين استغربتُ من رقم المتَّهم وهو يتَّصل بي، وصوته يَكادُ يَتَطَايرُ من شدَّة الفرح، قائلاً: "دكتور.. لقد جاء خصمي طالِباً الصلح منِّي رغم أنَّه كسب الدعوى، وقال إنَّه لم يعدْ يريد المشاكل!".  

طبعاً لم أقتنعْ أنَّ حالف الزور قد تحوَّل إلى حمامة سلامٍ تُرفرِفُ فوق قصر العدل فجأةً، ولكنَّه خشي –على ما يبدو- أن تُقلَب عليه الطاولة بعد الطعن؛ نظراً لاقتناعه بدفاعنا، وخشيته من انكشاف الحقيقة ومحاسبته كشاهد زور. 


وكأنَّ الخصم حالف الزور كان أكثر عمقاً وإدراكاً لخطورة عدم وجود سند قانوني لشهادته مع وجود مجموعة كبيرة من الظروف ضدَّه، ذلك الإدراك الذي كان يعوز القاضي القلق نفسه! ترتقي الأمم بقضائها قبل قوانينها، فلا يجوز لنا دفن العدالة في الرمال من أجل التغطية على قاضٍ غير جديرٍ بمكانه؛ ولهذا يجب التأسيس لجهاز متابعةٍ ورقابةٍ ومحاسبةٍ على أعلى مستوى لأداء القضاة، ذلك بعد مكافحة روح الصدأ في أجواء المؤسسة القضائية. الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص قانون وأنظمة البورصة)
ads
ads
ads
ads
ads