السبت 06 يونيو 2020 الموافق 14 شوال 1441
د.همام القوصى
د.همام القوصى

زلزال «كورونا» الاقتصادي

الخميس 05/مارس/2020 - 05:09 م
ads
طباعة
ads
 عندما يُصابُ أحد الأصدقاء بالزكام والبرد، كان الجميع يتحاشاه ويتخطَّى السلام عليه، حتى أنَّه كان يَتَملَّكه الإحراج من سعاله المستمر، ثم يحظى باستراحةٍ منزليةٍ لمدَّة أسبوعٍ حتى يتعافى.

 يتكلَّم الأطباء عن هذه الحالة بنفس "الأسطوانة" من أنَّ فيروس الإنفلونزا لا علاجاً فورياً له، بل يجب أن تأخذ دفاعات الجسم وقتها في القضاء عليه، فلا يجد الإنسان سوى أن يستسلم لأعراض البرد المُحرِجَة والمُعَرقِلَة للنشاط حتى يقوى جسده على مواجهة هذا الفيروس اللَّعين. فما بالُنَا بإصابةٍ فيروسيةٍ لا علاج لها من جهة، ولن تَقدِرَ مناعة الإنسان على مواجهتها من جهةٍ أخرى؟! حينئذٍ سيكون الإنسان عُرضَةً لأنْ يَفتك الفيروس بحياته بكلِّ بساطةٍ! هذا هو استقبال سنة 2020 لنا، فكأنَّ مجموعة المصائب والنوائب العالمية والعربية لم تكنْ تكفِ! فكان لا بدَّ من وباءٍ يسير بخطى مطردة نحو مرحلة الوباء العالمي؛ وذلك لأنَّ انتقال فيروس كورونا يتم خلال فترة حضانة الفيروس، أي قبل حتى أن تظهر على الشخص المُصَابِ أيَّة أعراضٍ، فينتقل هذا الشخص بين الناس، يُصَافِحُ هذا ويُقبِّلُ ذاك، ناقلاً العدوى الفيروسية القاتلة دون أيَّةٍ مؤشراتٍ ودون أن يأخذ أحد حَذرَهُ! وبمجرَّد انتشار فيروس كورونا، فقد ظهرت مجموعةٌ واضحةٌ من النتائج الاقتصادية المباشرة في الاقتصادي الصناعي الحقيقي؛ حيث إنَّ الصين –وهي مركز الوباء- كانت قبل دقائق من انتشار العدوى القاتلة تسيرُ في نموٍّ اقتصادي منقطع النظير ومستحيل المطاردة. لكن بعيداً عن نظرية المؤامرة -رغم أن شبهة الحرب البيولوجية ليست مستبعدة في ظل الهزيمة المُذِلَّة للولايات المتحدة في الحرب التجارية مع الصين- فإنَّ التفسير البسيط لانتشار هذا الفيروس يكمن في العادات التجارية غير الصحيَّة ضمن سوق ووهان الصيني حيث كان تخزين الحيوانات المعروضة للبيع يفتقر لأقل معايير الصحة والبيئة.



 إلاَّ أنَّ التساؤل عن الكيفية التي انتقل فيها هذا الفيروس إلى الإنسان ستبقى محلَّ غموض وتأويل. ونظراً لكون العجلة الاقتصادية الدولية تعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على "مُحفِّزات النمو"، فقد كان للصين دور الريادة في تحفيز الاقتصاد الدولي؛ وبالتالي فقد أصاب كورونا جسد هذا الاقتصاد بمقتلٍ؛ لأنَّه استهدف الدينامو الدولي لحركة دوران رأس المال في العالم: "الصين". لقد انخفض الطلب على النفط بشكلٍ كبيرٍ؛ لأنَّ المصانع والمنشآت الصينية سارعت إلى تخفيض استهلاك الطاقة في ظلِّ انحسار الطلب على المنتجات الصينية وانقطاع طرق المواصلات المُتوقَّع من وإلى الصين، حيث بات يُنظُرُ إليها العالم على أنَّها "الموت القادم من الشرق".  



وهذه النتيجة البديهية في علم الاقتصاد كانت تُخفِي وراءها آثاراً غير مباشرةٍ لفيروس كورونا؛ فإنَّه لم يعدْ يصحُّ الحديث -والحال كذلك- عن التباطؤ الاقتصادي منذ يناير 2020، بل أصبحت ملامح الكساد العالمي أكثر وضوحاً. حيث بات الجميع يَتَهرَّب من تسديد ديونه الدولية أو حتى يتنصَّل منها مُطالباً بجدولة الديون نهاراً جهاراً، وأصبحت السندات الحكومية الصادرة من أعتى الاقتصاديَّات قوةً محلَّ شكٍّ من حيث تاريخ سدادها، وبات مظهر هلاك البضائع التجارية في مواطن التصدير أمراً طبيعياً بعد إغلاق الحدود خوفاً من انتشار الفيروس، في الوقت الذي انصرف الناس في مواطن الاستيراد إلى الإنفاق في أوجه الصحة والحماية والادخار والإيداع دون الاستثمار. مثل هذه المؤشِّرات تَحملُ معها زلزالاً اقتصادياً بكلِّ معنى الكلمة، فإن لم ينحسرْ فيروس كورونا خلال ستة أشهر من الآن، فإنَّ الأزمة العالمية ستبدأ اقتصاديةً وليس ماليةً كما حدث عام 2008.



 حيث إنَّ أسواق المال لم تتأثَّر بشكلٍ فوريٍّ بالفيروس، بل تأخَّرت قليلاً نتيجة انتشار روح المضاربة على الأسعار في معظم البورصات العالمية؛ حيث إنَّ هذه البورصات لا تعكس المؤشِّرات الاقتصادية الحقيقية بقدر ما تعكس المزاج الاستثماري المُتقلِّب للمضاربين إمَّا على انخفاض الأسعار أو ارتفاعها. ولكن لم تمضِ سوى أيامٍ بعد اكتشاف الفيروس حتى بدأت قاعات التداول في البورصات تتحول نحو اللَّون الأحمر الطاغي. ويجب في هذا الإطار عدم إهمال أنَّ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد خفَّض من سعر الفائدة بشكل طارئ لأول مرة منذ عام 2008؛ حتى يدفع المدَّخرين بالسيولة في المصارف إلى استثمار أموالهم وإعادة الانتعاش للاقتصاد وأسواق المال.  



ولكنَّها تبقى آلية مالية بحتة قد تقف عاجزة أمام توقف عجلة الحياة التجارية على المستوى الدولي. ويبدو أنَّ من أكثر الدول التي ستتأثَّر بأزمة كورونا هي الدول التي تعيشُ في مرحلة اقتصادية انتقالية؛ مثل الدول التي تسعى إلى سداد قروض التنمية الدولية، أو الدول التي قامت بتغيير سياساتها النقدية مؤخراً؛ حيث إنَّ اقتصاد هذه الدول يعتريه هشاشة كبيرة لا تحتمل انخفاض العرض والطلب، ويمكن أن يُصابُ بالشلل مع تباطؤ حركة التجارة العالمية.


كذلك ستكون من أكثر الدول تأثُّراً بأزمة كورونا هي الدول التي تعتمد بشكلٍ شبه كاملٍ في مواردها المالية على الموارد النفطية؛ حيث إنَّ انخفاض الطلب الصيني ومن ورائه العالمي على النفط سيؤدِّي إلى زيادة المعروض من الذهب الأسود على الطلب، وهذا سيؤدِّي بشكلٍ بديهيٍّ إلى انخفاض حاد وجسيم بسعر النفط. ولن يُساهِم خفض الإنتاج في إعادة التوازن لسعر النفط من جديد؛ لأنَّ هذا الخفض -مهما بَلَغَ- لن يتوازن مع مستويات الانخفاض القياسية في الطلب إثر تفشِّي كورونا، كما أنَّ خفض الإنتاج هو آليةٌ مؤقتةٌ تُعالِجُ فترةً مؤقتةً لا يمكن للدول النفطية الاستمرار بها، وإلاَّ لانخفضت عائداتها بشكلٍ حادٍّ.  



أي أنَّ الآثار الاقتصادية الكارثية لأزمة كورونا لن تكون على الدول الصناعية بقدر ما ستكون على الدول التي يَرتَبِط اقتصادها بها من حيث تصدير الطاقة أو المواد الأولية؛ حيث إنَّ الدول الصناعية في ظلِّ الأزمة الاقتصادية ستَتَقَوقَعُ على نفسها وتجعل من اقتصادها صغيراً على حجم الرقعة الجغرافية التي لا حجراً صحياً عليها ضمن الدولة، وسيُسَاهِمُ المخزون الصناعي القديم ورصيد العملات الأجنبية المتراكم لديها من التصدير في هذه الدول الصناعية على حماية اقتصادها من الانهيار.


 ومهما ساق الخبراء الاقتصاديون المُفرِطُون بالتفاؤل من تطمينات وسيناريوهات وردية لا تمتُّ للواقع بصلةٍ، فإنَّ الحذر من زلزال كورونا الاقتصادي يجب أن يشمل جميع الدول الاستهلاكية التي لا يستند اقتصادها سوى على حركة مالية ونقدية غير متينة، وبالأخصِّ الدول الريعية التي تعتمد على استخراج مصادر الطاقة وبيعها.  


ويبدو ظاهراً أنَّ كورونا سيمنح الأطبَّاء درساً قاسياً في فنون الطب واكتشاف اللُّقاحات للأسقام العسيرة، ولكنه قبل ذلك سيمنح الدول المُتَرَاخِيَة صناعياً وتنموياً دروساً قاسية من تآكل رصيد الثروة!  


الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص قانون وأنظمة بورصة الأوراق المالية)
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
adsads