السبت 06 يونيو 2020 الموافق 14 شوال 1441
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

لماذا يَتماسَك الدولار في مواجهة أزمة <<كورونا>>؟

الجمعة 20/مارس/2020 - 08:31 م
ads
طباعة
ads

 بدأتْ أوراق الاقتصاد الدولي بالتَّطَايُرِ، وغابت بَصَائِرُ الخبراء الذي أشبعوا الدنيا تحذلقاً وادِّعاءً للعلوم قبل أزمة فيروس كورونا، ارتبكت حركة التجارة الدولية بفعل الخوف من خروج فيروس كورونا عن السيطرة، وانهارت أسواق المال الهشة التي تعتمد على العوامل النفسية للمستثمرين في اتِّجاهاتها. احتارتْ الدول الكبرى، وبدأت تفتح أبواب خزائِنِهَا السرية حتى تُخرِجَ منها الذهب، وبات كلٌّ يبحث عن نَجَاتِه، كأنَّنا في يوم البعث. وعلى الرغم من أنَّ مسيرة الاقتصاد الدولي كلها تسير في مسيرةٍ سلبيةٍ واضحةٍ الآن، إلاَّ أنَّنا نجد الدولار الأمريكي مُتَمَاسِكَاً في مواجهة العملات الأخرى، ذلك في الوقت الذي يُعتبَر فيه الدولار عملةً مرتبطةً بحركة التجارة الدولية وأسواق المال، فما هو سرُّ هذا التماسك العجيب؟ الجواب ببساطةٍ هو أنَّ قيمة الدولار تَنهارُ فعلياً، إلاَّ أنَّ هناك عنصراً خفياً يَقومُ على الإمساك بالدولار حتى لا يسقط، ذلك العنصر هو بعض الدول المُنْتِجَة للنفط. حيث إنَّ انخفاض الطلب على النفط يجب أن يُقَابِلَه وفق المنطق البسيط خفض الإنتاج حتى يعود التوازن للسوق؛ لأنَّ انخفاض الطلب يؤدِّي إلى انخفاض سعر النفط، فيتمُّ خفض الإنتاج حتى يقلَّ المعروض من النفط، ثم تَعودُ عوامل السوق إلى توازنها، فيُعاودُ السعر ارتفاعه أو على الأقل يتوقَّف عن انخفاضه. لكن بعض الدول المُنْتِجَة للنفط في أوبك قامت بعكس الآية؛ حيث سارعت إلى خفض الإنتاج في أحلك لحظات النفط ذلك الذهب الأسود اسوداداً! هذا الإجراء كان نتيجة خلاف بين دول أوبك، وما أصعب الخلاف خلال لحظات الأزمة. وبالطبع فإنَّ هذا الإجراء انهار بسعر برميل النفط إلى ما يقترب من 30 دولاراً، وأصبحت العقود الآجلة تُباعُ وتشترى بمبالغٍ زهيدةٍ لا تقارن بقيمة النفط الاستراتيجية، ولا بالحاجة الماسة له في الولايات المتحدة وأوروبا والصين. ولكن كيف سَاهَمَ زيادة إنتاج النفط وانخفاض سعره في تَمَاسُك سعر الدولار؟ حتى نعرف الإجابة علينا أولاً أن نَعرفَ طبيعة العلاقة العكسية بين سعر الدولار والنفط؛ فعندما يزداد الطلب على النفط خلال فصل الشتاء أو بفعل ازدياد حركة الإنتاج الصناعي أو عندما يَرتفعُ سعر البرميل بفعل التوتُّرات السياسية أو العسكرية أو غيرها من العوامل الإيجابية، فإنَّ أثر هذا الارتفاع سينعكس زيادةً في قيمة المدفوعات الأمريكية؛ الأمر الذي يَزيدُ من عجز الموازنة في الولايات المتحدة، وبالتالي ينخفض سعر الدولار. أمَّا عندما ينخفض سعر النفط بفعل حدوث تباطؤ في الصناعة والتجارة العالمية أو بحلول فصل الصيف أو بسبب اكتشاف آبار جديدة في دول الاستهلاك أو اكتشاف مصادر جديدة للطاقة أو غيرها من العوامل السلبية، فإنَّ ضغط المستوردات النفطية على الميزانية الأمريكية سينخفض، وينخفض عجز الموازنة في الولايات المتحدة، وبالتالي يرتفع سعر الدولار. هذه هي المعادلة الأكثر بساطةً للعلاقة بين الدولار والنفط وفق المنهجيَّة الأمريكية في الأحوال العادية، إلاَّ أنَّ أزمة كورونا قد دَفَعَتْ كفَّتي العرض والطلب على الدولار والنفط للهبوط بفعل توقُّف كامل عناصر دورة رأس المال؛ الأمر الذي كان يجب أن يؤدِّي إلى انخفاضٍ أكيدٍ في سعر النفط والدولار معاً. إلاَّ أنَّ دفع النفط إلى القاع بتسارع أكثر سينقذ الدولار من المزيد من الانخفاض وسيمنحه قوة دافعه للصعود في مواجهة باقي العملات، وبالفعل هذا ما حدث عندما انهار سعر النفط، وبفعل العلاقة العكسية مع سعر الدولار وجدنا العملة الأمريكية مُتَمَاسِكَةً، في حين انهار أمامها الجنيه الإسترليني إلى مستويات قياسية لم تحدث منذ التسعينيات. وبالتالي، فإنَّ قوة الدولار لا تَتَشَكَّل نتيجة قوة اقتصاد الولايات المتحدة كما جرت عليه القاعدة العامة لقوة العملات، بل نتيجة قوة الموقف السياسي الأمريكي؛ وذلك لأنَّ الولايات المتحدة تلعب دور شرطي العالم. وهذه الحقيقة تعني أنَّ الثقة في الاقتصاد الأمريكي ليس هو العنصر الأساس في قدرة الدولار على الصمود في وجه الأزمات، بل يوجد النفط كسلعةٍ استراتيجيةٍ تلعب بسعرها الولايات المتحدة حتى تخدم مصالحها، هذا بالإضافة إلى عوامل عديدةٍ أخرى. فهناك الأموال الأجنبية التي تأتي سوق الاستثمار الأمريكي المباشر نتيجة التبعية السياسة لبعض الدول للسيِّد الأمريكي، فنرى مليارات الدولارات تتدفَّق من دولٍ عديدةٍ تجاه الولايات المتحدة حتى تُقدِّم تلك الدول فروض السمع والطاعة بشكلٍ دوريٍّ في صورةٍ أشبه بالجزية. كما يوجد العديد من الشرايين الاقتصادية الغزيرة التي تصبُّ في نهايتها داخل الجيب الأمريكي نتيجة اضطرار العديد من الدول للشراء من المصانع الأمريكية أو تحصيل السلع منها بسبب الاحتكار العلني لبعض المنتجات مثل الابتكارات التكنولوجية والبرمجيات. ولكن تبقى نقطة القوة الأهم للدولار، وهو النفط؛ فالذهب الأسود هذا مُرتبطٌ بالدولار وجوداً وعدماً في علم الاقتصاد، وقد خسرت الدول النفطية رصيد ثرواتها الطائلة بسبب هذا الارتباط الموجود لأسبابٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ بحتة. فإذا فرضنا أنَّ الدول النفطية كانت قادرةً على بيع النفط بغير الدولار، فهل كانت ستقبل بسعر يصل لحدود 30 دولار للبرميل؟ لماذا تتحمَّل الدول النفطية الضغوط النزولية على سعر الدولار فتزيد من الاستخراج والإنتاج؟ ببساطةٍ حتى تدعم الدولار سياسياً، ولهذا فلا نجده يتضخَّم إلاَّ بالحد اليسير. ولكن مَن يدفع الثمن؟ بالطبع أصحاب الثروات النفطية التي تتآكل حتى تُغطِّي الانخفاض في قيمة الدولار. ولكن هل تستطيع الدول النفطية تجنُّب التضخُّم في هذه الظروف؟ الواقع يقول أنَّ هذه الدول تَربُطُ عملتها مع نفطها بالدولار، ولذلك نرى عملاتها ثقيلة الوزن في سوق العملات، فلا تتحرَّك إلاَّ بالقدر البسيط، ولكن هذا الوضع أشبه بالتخدير الموضعي الذي ما إن يزول حتى يصرخ المريض من الألم. فهل ستعي الدول النفطية قيمة الذهب الأسود قبل أن يَجِفَّ أو أن تظهر مصادراً جديدةً للطاقة؟ وهي –حقاً- على وشك الظهور. هل ستُدرِكُ تلك الدول حينئذٍ أن حماية الدولار من السقوط لن يحمي اقتصادياتها وعملاتها من تآكل القيمة؟! بقلم الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص قانون سوق الأوراق المالية)
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
adsads