السبت 30 مايو 2020 الموافق 07 شوال 1441
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

<<كورونا>> ينتظر علاج التضخُّم قبل دواء الوباء

الإثنين 30/مارس/2020 - 11:12 ص
ads
طباعة
ads
غريبةٌ هي الحياة، تَزرعُ في الطفل التفاؤلَ المُطلَقَ، ثم تبدأُ فورة الشباب بمحاولة تحقيق الآمال العِظَامِ، إلاَّ أنَّ الواقع يَصدِمُ ذلك الشاب؛ فيتحوَّل إلى رجلٍ راشدٍ بلا أحلامٍ ولا أمنياتٍ، ذلك بعد أن يَعرِفَ كم كانت أحلام الطفولة والشباب تلك ساذجة! عندما تَرتبكُ إرادة الإنسان بين مراحل العُمْر، تَتعثَّرُ الخُطى، وتَنزِفُ الفرص من بين يَدَيهِ، ويَتُوهُ هيكل الشخصية التي بَنَاها في مُخيِّلته، وببساطةٍ.. يَضيعُ العمر سدىً. تبدأ آلام الظهر والعيون بالظهور، وتنغمسُ مع أوجاع الروح. يَنظرُ الإنسان إلى صفحة الوظائف في الصُّحف، فيجدها تَطلبُ أعماراً أقلَّ من عمره، وفي المقابل يَجدُ حَدَّاً أعلى من الخبرة، تلك التي لم يُحصِّلْ منها على شيء.  


يبدأ بالانعزال عن الواقع واستذكار الأيام الخوالي، عندما كان والده يشتري بيتاً من فائض راتبه!، وكانت أمه تُكدِّس أسوار الذهب من بقايا مصروف الشهر!! هكذا كانت الحياة سهلةً وسلسةً إلى درجةِ أنَّ السكينةَ كانت تعمُّ الأحياء. فماذا حصل؟ وأيُّ ظرفٍ قد تبدَّل حتى كشَّرت الحياة عن أنياب قساوتها في يومنا هذا؟ لماذا باتَ المال بلا بركةٍ، والراتبُ بلا معنىً، والنهارُ -صاخبُ الأعمالِ- بلا فائدةٍ؟ الإجابة في الجانب الاقتصادي هي ما يسمَّى: "التضخُّم" "Inflection"؛ ليس تضخُّم النقود بمعنى اكتنازها، بل تضخُّم الكتلة النقدية مع انخفاض قيمتها. فمثلاً، تشتري بمئة جنيه اليوم ما كنت تشتريه قبل فترة بخمسين.


 التضخُّم في الواقع هو الداء المُتربِّص بالاقتصاد؛ حيث إنَّ خسارة العملة لقيمتها تؤدِّي إلى تآكل الأرباح ثم توقُّف عجلة النمو، ورجوع هذه العجلة إلى الوراء. ويبدو أنَّ من الأسباب الأساسية للتضخُّم هو ضعف قيمة العملة بشكلٍ أساسيٍّ، وليس ارتفاع باقي العملات أمامها؛ فعندما تخسر العملة قيمتها تبدأ باقي العملات بالارتفاع في وجهها بشكلٍ جماعيٍّ. هذه الخسارة في القيمة تجاه جميع العملات هي التي تؤدِّي إلى التضخُّم، وليست الخسارة في مقابل عملة واحدة نتيجة المضاربة مثلاً. في مثل هذه الحالات يُسارعُ تجَّار الجملة إلى رفع قِيَم بضائعهم فيُحصلون على نقودٍ أكثر في مقابل بضائعٍ أقل؛ الأمر الذي يضرُّ بتجار التجزئة واقتصاد الدولة، ويجعل من حياة الناس صعبةً في تحصيل احتياجاتهم، وينزع البركة من حياتهم.


 ولكن التساؤل هنا: كيف تخسر العملة قيمتها؟ ببساطةٍ العملة التي نحملها في حقائبنا وجيوبنا هي بالأساس مخزن للقيمة؛ أي هي بديلٌ عن القيم الأخرى كالذهب والفضة التي كان يتداولها الناس.  


وبهذا المعنى فإنَّ قيمة العملة تَنبعُ من قوَّة الاقتصاد الذي أصدرها؛ حيث إنَّ الثقة في اقتصاد الدولة هي المصدر الحقيقي لقوَّة عملتها، وهي الحصن الحصين لهذه العملة من التضخُّم. فما هو تأثير انتشار فيروس كورونا على حالة التضخُّم؟ على الرغم من كون الاقتصاد الدولي حالياً هو اقتصادٌ خاسرٌ نتيجة تراكم الديون السيادية، إلاَّ أنَّ نمو الاقتصاد الدولي كان ما يزال موجوداً قبل أزمة كورونا، وإن كان يتباطأ بشكلٍ ملحوظٍ خاصَّة خلال فترات احتدام الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وفي ظلِّ انتشار فيروس كورونا وانعزال الدول عن بعضها البعض، إضافة إلى الإجراءات الحمائية الانعزالية التي كرستها إدارة ترامب، فإنَّ التضخُّم في الميزانية الوطنية قد أصبح شبحاً يُرعِبُ الدول في ميزانياتها الوطنية.  




ولكن الأخطر هو ما يمكن تسميته برأيي بـ: "تضخم الاقتصاد الدولي" والذي أراه يعني دخول الاقتصاد الدولي بأكمله بحالة من التراجع للخلف نتيجة تضخُّم معظم الاقتصاديات العظمى؛ فتفقد العملات في سوادها الأعظم –ومن ضمنها الدولار واليورو- قيمتها الشرائية، وينهار سعر النفط كسلعة استراتيجية، ويُصبحُ توجُّه الناس والمستثمرين نحو الملاذات الآمنة، ويقف في صدارتها: الذهب.  



وعلى الرغم من أنَّني لست متشائماً إلى درجة حدوث انهيار في النظام المالي والنقدي العالمي، إلاَّ أنَّ خسارة الميزان التجاري للدول ستكون نتيجةً طبيعيةً ومنطقيةً لعرقلة عجلة التجارة الدولية خلال هذا العام على الأقل. فمَن ذا الذي سيُصَدِّر ويستَورِد أو يطلب قرضاً أو ينشئُ شركةً في ظلِّ الحجر المنزلي، ومنع التجوُّل، وإغلاق الدول المفاجئ لحدودها وموانئها، وانكباب الجميع نحو منتجات التعقيم، وتكديس المواد التموينية ذات الإنتاج المحلي. فهنا: كيف ستصدُّ العملات الوطنية الضغوط التضخُّمية إذا انهارت الثقة في استعادة حركة المبادلات التجارية؟ ببساطةٍ لن تصمد في مواجهة هذا الإعصار إلاَّ: (1) الدول التي تعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على مواردها الذاتية، ولا يوجد لدى شعبها الكثير من السعي وراء الرفاهية؛ فهذه الدول لن تُعانِي على مستوى العرض والطلب. (2) وكذلك الدول التي تحظى باحتياطيٍّ وافرٍ من الذهب، فإنَّها ستستطيع اتِّقاء خطر الإفلاس دون تحقيق النمو؛ لأنَّها ستقوم بمبادلة الذهب بسلعةٍ أخرى، الأمر الذي يجعلها في حالة تآكلٍ لمخزونها الاستراتيجي من الذهب حتى تتحسَّن الأحوال. ولكن ما هو دواء التضخُّم الاقتصادي "الكوروني" هذا؟ يبدو لي أنَّ ما وصلنا إليه ليس نتيجة انتشار وباءٍ تنفسيٍّ مُعدٍ، المسألة أعمق بكثيرٍ، فلو كان الاقتصاد الدولي قوياً ومتماسكاً لما انهارت أسواق المال بالشكل المتواصل الذي نراه اليوم.  




تعود جذور المشكلة إلى بوادر انهيار الثقة بالعملات النقدية كمخزن للقيمة من الأساس، وانهيار القدرة التنافسية للنفط في ظلِّ ربطه مع الدولار –والسياسة الأمريكية الانتهازية والصبيانية في عهد ترامب-، وقد ظهرت بوادر هذه الأزمة مع انتشار البتكوين كعملةٍ رقميةٍ خارجةٍ عن النظام المالي الدولي. فما هو الحلُّ لفيروس كورونا الاقتصادي؟ لا يمكن حلَّ المشاكل التي سبَّبها فيروس كورونا عبر سياسات التحفيز التقليدية من خفض الفائدة أو تشجيع حركة رأس المال بغرض تحريك العرض والطلب؛ لأنَّ كفَّتي الميزان التجاري والمالي في طريقها للتوقف عن العمل بشكل شبه تام. ولذلك، فإنَّ الحلَّ يكمن في الإرادة السياسية قبل الاقتصادية لدى دول منظمة الأمم المتحدة حتى تَنظرَ -ولو لمرَّةٍ واحدةٍ- بمنظور المصلحة الجمعيَّة وليس الأنانية لأمَّة البشرية؛ فيتمُّ التعاون الكامل بين الشرق والغرب، ويتمُّ رفع العقوبات الاقتصادية على الدول، ثم تطهير العقل التجاري الأمريكي من الرغبة بالاحتكار. عندها ستطفو حالة من التفكير الإيجابي العالمي، مبناها التضامن قبل التكتُّل؛ عندها سينتشر نوعٌ من التفاؤل في السوق، فيتمُّ إنعاش ما تبقَّى من تجارةٍ، وسيتحفَّز العرض والطلب من جديد بشكلٍ محدودٍ، ثم -بعد ظهور بوادر طبية إيجابية لانتهاء أزمة الكورونا إن شاء الله- ستقفز الأسواق من جديدٍ بعد انتهاء كابوسٍ اقتصاديٍّ حقيقيٍّ، وستنتعش قيمة العملات في مواجهة شبح التضخُّم.



 ولكن في ظلِّ الأجواء السلبية الحالية التي شكَّلتها سياسات مثل "أمريكا أولاً"، والتوجُّهات الشعبوية في أوروبا المعادية للغيرِ أيَّاً كان، فإنَّ التكاتف الدولي ما يزال بعيد المنال. حتى أنَّ الولايات المتحدة ما تزالُ تَفرضُ عقوباتٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ بصورة المراهقة السياسية.  

فليس لنا إلاَّ أن ننتظر المزيد من موجات التضخُّم وانخفاض قيمة العملات.  


ولكن مَن الذي سيدفع الثمن الباهظ في النهاية؟ هو مجموع الدول التي أسَّست هذا النظام العالمي الجديد، الذي تقوده نحو الخراب، ومن ضمنها الولايات المتحدة ذاتها؛ حيث ستخسر تلك الدول هيمنتها بعد بدء فشل النظام التجاري والمالي والنقدي العالمي؛ الأمر الذي سيؤدِّي -لا محالة- للانتقال نحو نظامٍ عالميٍّ آخر بقيادةٍ أخرى أكثر تعقُّلاً وحكمة.  

والصين اليوم -بعد أن تعافت بشكلٍ كبيرٍ من الوباء- باتت تُقدِّم يد العون وتترقَّب قادم الأيام. حيث يبدو أن موازين القِوَى لمبارزة "الكاو بوي" قد تغيَّرت، تلك التي كانت تنتهي بشكلها التقليدي بانتصار الأمريكي صاحبَ العينين الزرقاوين بعد أن يَنفخَ على غبار البارود المُتَصَاعد من مسدَّسه وهو يبتسمُ باستهزاء. فيبدو أنَّ أحداً آخر سيَنفخُ هذه المرة على غبار مسدَّسه، ويمكن ألاَّ يكون بعينين زرقاوين. عندها سيكون العنوان: "(كانت) أمريكا أولاً". الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري – تخصص قانون وأنظمة بورصة الأوراق المالية)
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
adsads