السبت 30 مايو 2020 الموافق 07 شوال 1441
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

"وضعية الجوائح" لإنقاذ العقود التجارية

الإثنين 06/أبريل/2020 - 12:25 م
ads
طباعة
ads
 انتشر في الآونة الأخيرة نقاشٌ مُسهِبٌ بين الخبراء في الأنظمة حول تكييف حالة العقود التي تمَّ إبرامها قبل جائحة فيروس كورونا Covid-19 وتراخىْ تنفيذها بعد أن حدثت هذه الجائحة. حيث إنَّ المتعاقدَيْن خلال مراحل إبرام العقد كانا في حالة جهلٍ تامٍّ عمَّا ستؤول إليه الظروف بعد انتشار وباء كورونا؛ ولذلك فقد وجدنا العقود التجارية وقد بات تنفيذها أمراً عسيراً ومُكلِفَاً أو حتى مستحيلاً على غير ما كانت عليه الظروف إبَّان توقيع العقد.



 في هذا الوقت، كان النقاش في دول القانون الوضعي مُتركِّزاً على تكييف جائحة كورونا بأنَّها إمَّا ظروف طارئة أو قوَّة قاهرة؛ ففي حالة الظروف الطارئة ستكون الجائحة سبباً في تعديل التزامات أطراف العقد بهدف تخفيفها في ضوء الظروف الجديدة، أمَّا في حالة القوَّة القاهرة سينتهي العقد التجاري بشكلٍ تامٍّ. والفرق بين الحالتين يكمن في أنَّ نظرية الظروف الطارئة تُستخدَمُ في الحالات التي تجعل من تنفيذ الالتزام صعباً أو مكلفاً بسبب ظروفٍ عامَّةٍ طرأت بعد إبرام العقد دون إهمالٍ من المتعاقد، في حين أنَّ نظرية القوَّة القاهرة تعني وقوع حالة استحالةٍ في تنفيذ العقد. ونظراً لاختلاف أثر جائحة كورونا على العقود التجارية بحسب طبيعتها، وجدنا عقود العمل -التي تُعتَبَرُ تجاريةً بالنسبة للشركة مثلاً- وجدناها مُكلفةَ التنفيذِ نتيجة التوقُّف الجزئي للعمل، لكنَّها ليست مستحيلةً.  







بينما وجدنا عقود توريد البضائع من الدول المُصدِّرة الموبوءة وقد باتت مستحيلةَ التنفيذِ بلا أيِّ أثرٍ بعد إغلاق تلك الدول لحدودها ومنع حركة المواصلات منها وإليها. فهنا بات تكييف درجة تأثُّر العقد التجاري بجائحة كورونا الأمر الأهم في تحديد مصير التزامات أطرافه، وهكذا سيتمسَّك كلُّ طرفٍ بالنظرية التي تخدم مصلحته، ذلك إذا لم يتمَّ حل الخلاف بشكلٍ ودِّيٍ أو بشكل تشريعي صريح وحاسم.  

والمشكلة أنَّ وقوع القاضي بخطأٍ في تكييف ما إذا كانت جائحة كورونا هي ظرفٌ طارئٌ أم قوَّة قاهرةٌ بالنظر إلى طبيعة العقد ومدى صعوبة تنفيذه، سيعني إيقاعَ ظُلمٍ أكيدٍ في أحد المتعاقدَينِ، فقد يتمُّ انفساخ العقد نتيجة إقناع القاضي بوقوع القوَّة القاهرة في الوقت الذي كان من الممكن تنفيذه ولكن بتكلفةٍ أكبر بكثير ممَّا كان عليه الأمر عند توقيع العقد. كلُّ هذا النقاش تَجاوزَتْهُ الشريعة الإسلامية الحنيفة عبر مبدأ "وضعية الجوائح" الذي يستند لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لو بِعتَ من أخيك ثمراً، فأصابَته جائحة، فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئاً، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟". الحقيقة أنَّ قياس وضعية الجوائح على كلِّ عقد تجاري على حدة سيجعل من حلِّ النزاع الخاص بعدم تنفيذه أمراً واضحاً؛ حيث إنَّ وضعية الجوائح تنظر إلى العقد على أنَّه التزاماتٌ مُتنوِّعةٌ وليس كلاًّ واحداً. بناءً عليه، لا تقوم نظرية القوَّة القاهرة وفق معنى الحديث الشريف إلاَّ بعد أن تكون كافَّة التزامات العقد بجميع احتمالاتها مستحيلة التنفيذ تماماً. فلا يوجد نظرية جاهزة للقوَّة القاهرة تؤدِّي إلى انفساخ العقد بمجرَّد استحالة التنفيذ وفق ظاهر العقد كما في القانون الوضعي، بل يوجد عملية تعمُّق في التزامات العقد وتقدير مدى صعوبة أو استحالة تنفيذها بعد وقوع الجائحة. ففي عقود التوريد من الدول المُصدِّرة الموبوءة مثلاً، على القاضي أن ينظر في العقد –وفق الرؤية الإسلامية- حتى يَستطيعَ تقديرَ ما إذا كانت البضائع متوافرةً في دولٍ أقلَّ تضرراً بالجائحة، فيُلزِمُ المستورد باستيراد البضائع منها مع تخفيف الالتزام بالنوعية مثلاً في حالة كانت تلك البضائع أغلى سعراً في الدولة الجديدة. وبالتالي، فإنَّ الرؤية الإسلامية كانت أكثر وعياً لعنصر العدالة من القانون الوضعي، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "...بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟"؛ وبمفهوم المخالفة، يبقى للمتعاقد أن يأخذ ما يراه القاضي حقاً له في ذمة المتعاقد الآخر وفقاً لظروف العقد. وبالمقابل، فلا تقوم نظرية الظروف الطارئة في الشريعة الإسلامية إلاَّ مع وجود احتمالات معقولة لتنفيذ التزامات العقد. فلا يوجد نظرية جاهزة تؤدِّي إلى إلزام المتعاقد بتنفيذٍ مُخفَّفٍ بمجرَّد عدم استحالة التنفيذ الظاهرة وفق العقد كما في القانون الوضعي، بل يوجد عملية تعمُّق في التزامات العقد وتقديرها عملياً بعد وقوع الجائحة. فإذا كانت الشركة قادرةً على دفع رواتب العاملين لديها وفق عقود العمل، إلاَّ أنَّ ذلك سيؤدِّي إلى إفلاس الشركة بشكلٍ شبه مؤكَّدٍ مع الوقت، فيمكن إعفاء الشركة من دفع الرواتب ليس لأنَّ دفعها مستحيلٌ بل لأنَّه سيؤدي إلى ضررٍ كبيرٍ يجعل تقاضيها من العاملين دون عملٍ فعليٍّ تقاضياً بغير حق، الأمر الذي سيؤدِّي إلى انهيار الشركة وفقدان العاملين لوظائفهم بالنتيجة. وبالتالي، فإنَّ رسول الله في حديثه الشريف وضع لنا معياراً لوضعية الجائحة في تفسير الحق من القاضي، ذلك وفقاً لظروف وآثار تنفيذ العقد بعد وقوع هذه الجائحة، وليس في مدى إمكانية تنفيذ العقد. بناءً عليه، فإنَّ الشريعة الإسلامية قد فرضت حلاًّ مُميَّزاً لا وجود له في القانون الوضعي؛ ألا وهو وضعية الجوائح بالنظر إلى الحق والعدالة. حيث إنَّ وضعية الجوائح الإسلامية لا تَنظرُ إلى استحالة العقد الظاهرة في الوقت الذي يُمكِنُ تعديله بشكلٍ جذريٍّ من القاضي بما يُراعي ركن الرضا الأساسي، أو إمكانية تنفيذه الظاهرة في الوقت الذي ينطوي ذلك التنفيذ على ضررٍ كبير على المستوى المتوسِّط والبعيد. ويبدو الفرق الأساسي بين وضعية الجوائح الإسلامية وبين نظريات القوَّة القاهرة والظروف الطارئة أو حتى سلطات القاضي بتعديل العقد في القانون الوضعي، يبدو هذا الفرق في أنَّ الرؤية الإسلامية تنظر إلى الآفاق العملية المُمكنة لتنفيذ العقد وإلى ظروف كلِّ طرفٍ، وليس بالنظر إلى إمكانية تنفيذه أو استحالتها من الناحية النظرية البحتة. هذا الفرق ناتجٌ عن استناد القانون الوضعي على القرائن الظاهرة بشكلٍ يسلب القاضي سلطة الحكم بالعدالة. بالتالي، قد يرى القاضي بعد انتشار فيروس كورونا أنَّ العقد الخاضع للقوَّة القاهرة بالظاهر، هو في الواقع قابلٌ للتطبيق في حال اتَّفق المتعاقدين على بنودٍ جديدةٍ، إلاَّ أنَّ القاضي وفق القانون الوضعي لا يَملكُ أن يُلزِمَ المتعاقدين بتجديد العقد؛ ولذلك فإنَّه سيحكم بانفساخ العقد رغم علمه بعدم عدالة هذا الحكم. وبالمقابل قد يحكم القاضي وفق القانون الوضعي بتنفيذ العقد بشكلٍ جزئيٍّ ومخفَّفٍ على الطرف المُتَضرِّر نتيجة أنَّ تنفيذ العقد ليس مستحيلاً عليه، في الوقت الذي يعلم فيه القاضي أنَّ هذا التنفيذ سيؤدِّي إلى إفلاس الجهة المُتضرِّرة، إلاَّ أنَّ هذا القاضي لا يملك سوى الحكم بموجب الأدلَّة والقرائن النظرية السطحية التي أمامه والتي تُشيرُ إلى إمكانية تنفيذ العقد. وبالنتيجة فإنَّ أزمة فيروس كورونا قد كشفت للفقه القانوني ضرورة عدم الاعتماد على القوالب النظرية الجاهزة التي تستند على قرائنٍ نظريةٍ سطحيةٍ لا تتناسب مع قواعد الحق والعدالة في الواقع العملي.

ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
adsads