الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذو الحجة 1441
ads
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

كيف يمكن ضبط صلاحيات القاضي التجاري خلال وضعية الجوائح ((كورونا))؟

الجمعة 15/مايو/2020 - 02:51 ص
ads
طباعة
ads
 يبدو من ظاهر النصوص المدنية الوضعية الخاصَّة بحالات الظروف الطارئة والقوة القاهرة، أنَّ هذه النصوص هي عبارةٌ عن تقنينٍ لنظريات تعديل وانفساخ العقود على غير ما تمَّ إبرامها عليه؛ ذلك طبعاً كنتيجة لقيام وقائع مُعيَّنة تجعل من العقد إمَّا صعبٌ أو مُكْلِفَ التنفيذ (ظروف طارئة)، أو تجعل منه مستحيل التنفيذ (قوة قاهرة). إلاَّ أنَّ القانون الوضعي قد حصر صلاحيات القاضي التجاري ضمن وضعيتين: إمَّا التقدير المشروط أو الإلزام بعد الإثبات. ففي حالة الظروف الطارئة (التقدير المشروط)، يكفي أن يتأكَّد القاضي من أنَّ اختلالاً ظاهراً قد طرأ على العقد بعد وقوع الجائحة؛ بحيث أضحى تنفيذه على ما اشتمل من بنودٍ أمراً مرهقاً لأحد المتعاقدين أو لكلاهما (الشروط)، فهنا يملك القاضي صلاحية تعديل الالتزامات فيما إذا كان يرى ضرورة إعادة التوازن إلى هذا العقد أم لا (التقدير). حيث ينظر القاضي وفق القانون الوضعي إلى ظاهر العقد وإلى ما هو موجودٌ فعلاً من بنودٍ، فيقوم بتعديل بعض الالتزامات الناشئة عن هذه البنود بما يُعيدُ التوازن الاقتصادي إلى العقد من جديدٍ. أمَّا في حالة القوة القاهرة (الإلزام بعد الإثبات)، فإنَّ سلطة القاضي أكثر تأثيراً لكنها أقلُّ تقديراً، فبمجرَّد إثبات أحد أطراف العقد قيام حالة القوة القاهرة الأجنبية التي لا يد له في نشوئها ولا مساهمةً منه في تأثيرها، تلك التي جعلت من تنفيذ العقد بعد قيامها أمراً مستحيلاً (الإثبات)، بمجرَّد إثبات هذه الأمور فليس للقاضي هنا سوى إعلان انفساخ العقد دون أن يكون له التقدير (الإلزام). وبالتالي، فإنَّ مسألة ضبط صلاحيات القاضي خلال تطبيق آليات تعديل العقد بعد قيام الجوائح تُعتبَرُ في متناول جهات الرقابة على عمل القضاء؛ مثل التفتيش القضائي، وكذلك الهيئات القضائية التي تنظر دعوى مخاصمة القضاة. ولكن كيف سيكون الحال إزاء القاضي الشرعي لدى تطبيق وضعية الجوائح؟ إذا كان القاضي أمام مهمَّةِ تقديرٍ بسيطةٍ إزاء تطبيق إحدى نظريَّتي الظروف الطارئة أو القوة القاهرة، فإنَّه أمام مهمَّةٍ فائقة التعقيد والحساسية لدى تطبيق وضعية الجوائح كما جاءت على لسان الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم. حيث إنَّ القاضي –وفق الرؤية الشرعية- يَتمتَّع بصلاحياتٍ واسعةٍ تستمدُّ أساسها من المبدأ التعبُّدي (الحلال والحرام)، وكذلك من ضرورة تطبيق العدالة على أرض الواقع بمفهومها العميق، الذي يملك بموجبه القاضي تعديل العقد بشكلٍ جذريٍّ وبما يتناسب مع عودة التوازن بين المتعاقدين. مثل هذه الصلاحيات بقدرِ ما تسمحُ للقاضي الشرعي تطبيق العدالة الفعلية، بقدرِ ما يمكن أن تحيق ظلماً جسيماً بأحد المتعاقدين، فهذه الصلاحيات قد تؤدِّي إلى فرض منظومة التزاماتٍ جديدةٍ أجنبيةٍ عن العقد إذا كان القاضي يرى أنَّها ستُعيدُ مفهوم العدالة. فكيف يمكن ضبط صلاحيات القاضي الشرعي إذاً؟ الحقيقة أنَّ الغاية الأساسية من منح القاضي هذه الصلاحيات الواسعة هي تحقيق العدالة ودرء حُرمة ما يتقاضاه كل متعاقدٍ من الآخر. ولكن اختلال ميزان التقدير لدى القاضي خلال تطبيق وضعية الجوائح يصعب ضبطه نتيجة اكتساب الحكم القضائي الشرعي لصفة: "الرؤية الشخصية"، أكثر ممَّا يمكن أن نُطلِقَ عليه: "التقدير الشخصي". لذلك، كان لابدَّ من وجود ضمانةٍ تقي من أخطاء القضاة في ظروف الجوائح والتي نرى أهمَّها فيما يلي: (1) تسبيب الحكم الشرعي؛ فلا بدَّ للقاضي من أن يُقدِّم من الأسانيد وأن يسوق من الحجج ما يحمل على الإقناع بصواب رؤيته وتحليله للأمور، ذلك بالطريقة التي تُوضِّح كيف أنَّ الحكم قد تقصَّى العدالة وامتثل لقواعد الحلال والحرام. إنَّ التسبيب يُساعدُ في مهمَّة تمييز الحكم في حالة وقوع القاضي الشرعي بسوء في التقدير أو بخطأ مهني جسيم. إلاَّ أنَّ هذا التسبيب يستند على ظاهر الأمور الواردة وليس بواطنها التي لم تثبتْ أمام القاضي. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم بتسبيب أحكامه، حيث قضى بحضانة الخالة بعد أن قال: "الخالةُ بمَنزِلَةِ الأُمِّ". (2) محكمة التمييز الشرعية؛ لا تتعارض الرؤية الشرعية بالأساس مع فكرة التقاضي على درجات، بل على العكس، فإنَّ تعدُّد درجات التقاضي يُمثِّل ضمانةً إضافيةً لصلاح الحكم؛ حيث يقوم عمل محكمة التمييز الشرعية على التمييز بين الحق والباطل. وإن أخطأت محكمة التمييز، فيمكن للشخص التماس إبطال الحكم من محكمة التمييز ذاتها، والمطالبة بإعادة النظر في القضية. إلاَّ أنَّ أساس العمل القضائي لمحكمة التمييز يبتعد عن معنى إعادة التقاضي من جديد، بل هو مُجرَّدُ قيام هيئة التمييز بمراجعة القرار بغرض التأكُّد من قيام أركانه وعدم وجود خطأٍ من قاضي الموضوع الأول، الأمر الذي قد يجعل الكثير من التفاصيل بعيدةً عن نظر محكمة التمييز، وهو ما قد يدفعها إلى تأييد قرارٍ باطلٍ. وفي الحقيقة، إنَّ وجهة النظر الشرعية في القضاء تَنظرُ إلى خطأ القاضي -أو حتى التأثير عليه بلحن الحجة- أمراً ممكناً، إلاَّ أنَّه لا يُغيِّرُ من معايير الحق والباطل شيئاً؛ فالحكم القضائي لا يُحلُّ حلالاً ولا يُحرِّم حراماً. وفي هذا الخصوص جاء الحديث الشريف: "إنما أنا بشر وإنَّكم تختصمون إليَّ ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فليأخذه، فإنَّما أقطع له قطعةً من النار". فإذاً لا يوجد في الإسلام ضماناتٍ مطلقةٍ لحسن تقدير القاضي، بل إنَّ ما يراهن عليه الشرع هو انتشار ثقافة (الحلال والحرام) بين الناس، عندها قد تقع منازعات قضائية نظراً لاختلاف وجهات النظر أو لسوء التفاهم، فيكون هامش خطأ القاضي في التقدير ضئيلاً. إلاَّ أنَّ استشراء الفساد في الأخلاق والطمع بين الناس، ذلك الذي قد يدفعهم نحو سلب حقوق بعضهم البعض أو إلصاق البهتان بالإنسان البريء أو حتى انتشار شهادة الزور وانتقالها من إطار الجريمة المُهلِكَة إلى الذكاء والمناورة والحذاقة، كل هذه المظاهر التي بِتنا نراها اليوم لا تتناسب مع فتح الباب لتقدير القاضي. حتى تبدو ضماناتٍ مثل تسبيب الحكم ودرجات التقاضي، تبدو وكأنَّها ضماناتٍ واهيةٍ؛ فقد يكون القاضي أمام ضغط العدد الهائل من الدعاوى عاجزاً عن تحرِّي تفاصيل الأمور، فينساق وراق القرائن والقشور، ويحكم بالباطل. ولذلك يبدو الحل الأكثر تأثيراً على أرض الواقع في: (1) رفد المنظومة القضائية بعدد كافٍ من القضاة المدرَّبين على استكشاف الحقيقة ونشر العدالة، وليس الحكم بالقرائن أو التمسُّك بشكليات القانون. (2) بناء جهاز رقابةٍ وتفتيشٍ قضائيٍّ واسعٍ، على أن يكون عدد المنتسبين إليه لا يقلُّ عن نصف عدد القضاة، وأن يتمَّ منح هذا الجهاز صلاحية حضور جلسات التقاضي، وإبداء الرأي قبل النطق بالحكم، ثم رفع الموضوع إلى مجلسٍ أعلى للقضاء. (3) تأسيس مجلس القضاء الأعلى برؤية أكثر مرونة؛ بحيث يكون تابعاً لوزارة العدل خوفاً من التأثير على القضاة، على أن يكون أعضاء المجلس من أكثر القضاة خبرةً وكفاءةً على مستوى الدولة، وأن يمتلك المجلس صلاحية إقامة المسؤولية التأديبية بحق القاضي المخالف وتعويض المتضرِّرين من المتقاضين من ميزانية وزارة العدل ولها أن ترجع على هذا القاضي، ذلك مع إصدار قرار بإبطال الحكم، ثم إعلان إعادة المحاكمة بعد توضيح رأي المجلس للمحكمة الجديدة. تلك الرؤية تستند على عدالة الأرض، فإذا باءت كل هذه الضمانات بالفشل، ولبس الباطل لباس الحق، فهنا على المتقاضي نقل الظلم الذي أحاق به من محكمة الأرض إلى محكمة السماء، عندها فقط ستتحقَّق العدالة المطلقة.
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads