الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذو الحجة 1441
ads
د/توفيق ماضى
د/توفيق ماضى

سَلاسِل الإمدَاد القَصِيرَة كَصِمَام أمَان لِتوفِير السِّلَع فِى بِلاد الغَلابِة

الجمعة 15/مايو/2020 - 06:24 ص
ads
طباعة
ads

تعرف سلاسل الامداد بأنها مجموعة من العلاقات بين عدة منظمات تقوم بعدة أنشطة فى شكل حلقات متتالية و متكاملة تعمل على انسياب السلع و الخدمات من مكان إنتاجها الى مكان استخدامها بواسطة المستهلك النهائى. و يعنى ذلك ببساطة  كافة عمليات الشراء و الانتاج و التخزين و النقل و التوزيع المتتالية التى تقوم بها المنظمات بشكل تكاملى لضمان وصول السلعة او الخدمة للعملاء.

و تقاس درجة نجاح سلسلة الامداد المتكاملة فى تحقيق هذا الانسياب اعتمادا على عدة مؤشرات للاداء يمكن تبويبها فى عدة اهداف رئيسية أهمها : تخفيض التكاليف،  ضمان الجودة،  الانضباط فى التوقيتات، واخيرا المرونة فى الاستجابة للتغير فى بيئة الاعمال. و قد أضاف البعض هدفا اخر هو الابتكار.

و على الرغم من حداثة تعبير "سلاسل الامداد" و شمولية تعريفه ليلائم سلاسل الامداد العالمية عابرة للقارات و التى تتم فى العديد من الدول فى مناطق جغرافية متباعدة، الا ان المفهوم العام لسلاسل الامداد يظل صالحا لوصف مثل هذه العلاقات على مستوى اقل و فى ظل ظروف اكثر محدودية. اى انه يمكن قياس درجة تعقيد سلاسل الامداد المختلفة  اعتمادا على عدة ابعاد رئيسية أهمها: عدد المنظمات و الأطراف المتعاملة فيها، درجة تنوع الأنشطة و العمليات التى تمارسها تلك الأطراف و المنظمات، درجة تباعد المناطق الجغرافية التى تؤدى فيها تلك الأنشطة و العمليات. و هنا يمكننا التمييز بين مايسمى  بسلاسل الامداد الطويلة الاكثر تعقيدا و التى تتضمن تكامل العديد من المنظمات و الأنشطة فى مناطق جغرافية متباعدة من جهة، و بين سلاسل الامداد القصيرة المحدودة التى تتضمن عدد محدود من المنظمات تقوم بعدد محدود من الأنشطة يتم القيام بها فى مناطق جغرافية قريبة من بعضها البعض من جهة اخرى. و هنا يتبادر الى الذهن سلاسل الامداد البسيطة و القصيرة التى عايشناها فى القرى و المدن الصغيرة المصرية فيما يتعلق بسلاسل انتاج و توزيع انتاج الخبز ، سلاسل انتاج و توزيع كافة المنتجات الزراعية، بالاضافة الى سلاسل انتاج و توزيع كلا من  منتجات الألبان و اللحوم و الطيور.

استحضر الان، و بشكل يكاد يكون تام، سلسلة انتاج الخبز فى قريتنا المصرية الذى يبدأ بزراعة القمح و عملية الحصاد (مُوسِمْ ضَمْ الغَلـِّة) و عملية استخلاص حبوب القمح من المحصول (الدِّراسْ بالنُّورَجْ و استخدام المِدرِه)  ثم تخزِينْ القمح فى الزّالُوعْ على السطح. اتذكر تماما غسيل القمح فى النهر فى القُفَفْ ثم تَنشِيفُه على الحصير فى الشَّمس تمهيدا لغَربَلتُه و أخذه الى وابور الطحين (القَادُوسْ) لتحويلة الى دقيق تقوم نساء المنزل بِنَخلِه و تحويله الى مستويات مختلفة من حيث درجة النقاء و توافر الرَّدَّة به. ثم ياتى بعد ذلك يوم الخَبِـيزْ بملحمته الشهيرة، التى يشارك فيه اكثر من منزل، ابتداء بالعجين و التسوية بعملياتها الانتاجية الدقيقة و انتهاءا بِرَصْ الخبز الجاف فى السَّحَّارَة بطريق أنيقة بالكميات التى تكفى للاستخدام المنتظم الى ان يتم تكرار هذه الدورة المنتجة و المبدعة فى كل مراحلها.

الا يوافقنى الاخوة المتخصصون على ان هذا يعد مثالا متكاملا على سلسلة إمداد متكاملة تتسم بمحدودية اطرافها و حلقاتها و تركزها الجغرافى و لكنها تتضمن انتاج المستلزمات و تخزينها و نقلها و انتاج المنتج النهائى و تخزينه و توصيله الى المستهلك النهائي؟

ارجو ان تتأملوا معى ايضا العديد من سلاسل التوريد المشابهة  فى القرية و المدن الصغيرة المصرية مثل سلسلة توريد اللحوم فى القرية ابتداء من زراعة البرسيم لتربية الماشية و انتهاءا ببيع اللحوم للمستهلكين، و سلسلة توريد المنتجات الزراعية ابتداءا من توفير البذور و الشتلات و المبيدات و القيام بعملية الزراعة و رعاية المزروعات ثم جمع المحصول و بيعه فى سوق القرية او فى سوق يضم عدة قرى، و سلسلة انتاج تربية و بيع الطيور، ..الخ. حيث يمكننا القول بان هذا النوع من سلاسل الامداد على مستوى القرية او عدة قرى تتسم بعدة خصائص مشتركة أهمها: انها قصيرة، و يشترك فيها عدد محدود من الأطراف، و تتم جميعها فى منطقة جغرافية محدودة نسبيا.

و على الرغم من حتمية كبر و تعدد الأطراف و انتشارها فى أماكن جغرافية متباعدة للعديد من سلاسل إمداد للكثير من السلع الاخرى فى العصر الحديث ، الا انه من المؤكد ان هناك علاقة بين درجة تعقد سلسلة الامداد، من حيث عدد الأطراف و تنوع الأنشطة و تباعدها، و درجة المخاطر التى تنطوى عليها. فكلما زادت درجة التعقيد كلما زاد احتمال التأخير فى التوريد للعميل، و زاد ايضا احتمال عدم تحقق الجودة المطلوبة فى كافة المراحل و الأنشطة المتعددة المتتالية. كذلك فان زيادة درجة التعقيد تؤثر سلبا على إمكانية تخفيض التكاليف فى كافة المراحل، و على إمكانية تحقيق مرونة سرعة الاستجابة للتغير الذى عادة ما يحدث و بشكل دائم فى الطلب على المنتج النهائى و كذلك التغير فى توافر المستلزمات. و يعنى ذلك اختصارا ان سلاسل التوريد المحلية التى تتم غالبية أنشطتها داخل دولة واحدة تتضمن درجات من المخاطر اقل من سلسلة التوريد العالمية العابرة للدول و القارات.

وهنا تاتى، و بشكل واضح، الميزة النسبية لسلاسل الامداد القصيرة و المحدودة فى بلاد الغلابة كما فى حالة القرى و المدن الصغيرة المصرية، حيث انها، و بشكل عام، تضمن تقليل مخاطر التوريد الأربعة (تاخر التوريد، انخفاض الجودة، ارتفاع التكاليف، و عدم وجود مرونة) الى اقل حد ممكن. و اذا كان تقليل مخاطر سلاسل التوريد يعد هدفا رئيسيا فى الظروف العادية فما احوجنا الى تحققه فى فترات الأزمات و الكوارث كما هو الحال الان فى ظل اجتياح الوباء العالمى كورونا لكافة أنحاء العالم. 

 

 

و اعتمادا على ذلك يمكننا التوصية بما يلى:

- اعتبار الانتاج الزراعى استراتيجية أمن غذائى وطنى لضمان توفير المنتجات الزراعية الطازجة بشكل منتظم و بأسعار مناسبة اعتمادا على سلاسل التوريد القصيرة التى تكاد تكون محلية بالكامل تتم داخل حدود الدولة، ثم ياتى بعد ذلك تصدير الفائض من تلك المنتجات الزراعية الى الخارج.

- تشجيع قيام المنتج بالبيع المباشر للمستهلك بشكل يقلل من عدد حلقات التوزيع او يقضى عليها بشكل تام ( و مثال ذلك بيع التين و البلح على طريق الساحل الشمالى، و بيع الفاكهة و الخضار على طريق مصر الاسكندرية الزراعى، و شراء الأسماك من الصيادين مباشرة فى المدن الساحلية) على ان يتم اضافة اللمسات الجمالية الجذابة و الشروط الصحية و البيئية اللازمة لنجاح ذلك. كما يمكن ايضا للمنتج ان يقوم بالتوزيع المباشر للمستهلك فى حالة طلب كميات كبيرة و فى محيط جغرافى متقارب اعتمادا على نظام توصيل الطلبات للمنازل و باستخدام مواقع الكترونية تعمل الدولة على دعمها و تدريب المزارعين عليها بالمجان.

و يعد ذلك البيع المباشر فى كثير من الدول نوعا من النشاط الترفيهي للاسر و ذلك بان تقوم الاسرة بزيارة المزرعة لقضاء فترة و قيام الأطفال بتذوق و اقتطاف الفاكهة من على الأشجار بأنفسهم و وضعها فى الاكياس التى يتم وزنها بعد ذلك ثم شراؤها.

- الحفاظ على موروث وجود سوق أسبوعى (او مرتين فى الاسبوع) للقرية او لعدة قرى معا مجتمعة و اعداد الأماكن النظيفة الصحية و الملائمة لذلك و التى من شانها تفادى التكدس و الزحام فى هذه الاسواق. و فى هذا الصدد يجب الا يتم معاملة البائعين فى هذه الاسواق على انهم مجموعة من المَطَارِيدْ الذين يتم ملاحقتهم و التعامل معهم بشكل غير لائق، بل يجب النظر اليهم بأنهم يضمنون لنا انتظام سلسلة توريد قصيرة توفر لنا منتجات طازجة و بتكلفة اقل بعيدا عن استغلال الوسطاء.

- عودة الدور الوسيط الذى كانت تمارسه نظم اتحادات صغار المنتجين الزراعيين و جمعياتهم التعاونية من حيث التجميع للانتاج الزراعى و توزيعه المباشر فى منافذ توزيع تابعة لها او للدولة او لجمعيات فئوية و كذلك البيع المباشر لصغار الموزعين او كبار الموزعين اصحاب سلاسل التوزيع الكبيرة.

- عدم المغالاة فى النظم المركزية لتوريد المنتجات الزراعية (مثل سوق العبور) التى عادة ما ينتهى بها الامر الى وجود نظام احتكارى يتحكم فيه مجموعة من اباطرة السوق. بل يجب ان يتم انشاء العديد من مراكز التجميع و التوزيع التى تضم صغار و كبار الموزعين فى أماكن عديدة كثيرة الانتشار على مستوى المدن و القرى يتولى صغار المزارعين التوريد لها مباشرة، كما يمكن للمستهلك او تاجر التجزئة محدود الحجم الشراء منها ايضا.

 

و اخيراً، نصيحتى ان نفضل جميعا سلاسل الامداد القصيرة عند اتخاذ قرار الشراء بالنسبة للعديد من المنتجات و للمنتجات الزراعية بشكل خاص، و ان نشجع الذين يعرضون المنتجات الطازجة بالقرب من أماكن الانتاج. و ان نشترى المنتج المصرى الذى تم إنتاجه محليا فى مصانع محترمة حتى نحافظ على الوجود الدائم لسلاسل التوريد المحلية التى تحمينا من مخاطر الاعتماد على سلاسل الامداد الطويلة عابرة للدول و القارات، و التى تحمينا ايضا من الاحتكارات العالمية و لَوْ بقدر ما.  

حمى الله المحروسة من كل سوء.

ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads