الأحد 12 يوليه 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

الأطباء.. شهداء الحرب ضد ((كورونا))

الأربعاء 03/يونيو/2020 - 11:08 ص
ads
طباعة
ads
 كان لحقوق العُمَّال أثرٌ كبيرٌ في تاريخ تطوُّر المجتمعات؛ حيث إنَّ طبيعة العمل انتقلت من العبودية إلى مرحلة الاستغلال التي كانت سبباً في إشعال ثورات الطبقات الكادحة على مستوى العالم.


 حتى أنَّ الصراع الفكري بين فلاسفة القرن التاسع عشر كان ينطلق ابتداءً من مجموعة المحاور الأساسية، التي كان من أهمِّها أجور العمال وظروف السلامة خلال تأدية عملهم، تلك الأفكار هي التي أشعلت النقاش حول ملكية رأس المال، والربح المشروع، وتوزيع الناتج القومي على فئات الشعب بشكلٍ أكثر عدالةً. وبعد مرحلة التشكُّل الفلسفي للفكر العُمَّالي الاجتماعي، تحوَّلت هذه الأفكار من أفكار اقتصادية مبعثرة إلى اتجاه ثوري نجح في إقناع عدد هائل من شعوب العالم في القرن العشرين، واستطاع الصمود في وجه الليبرالية العالمية، معتمداً على فكر العدالة وتقرير المصير في وجه البراغماتية.



 كانت حقوق العمال هي الشرارة الأولى لكل هذا التاريخ الطويل من الصدام الإنساني والاجتماعي. وعندما انتشرت جائحة كورونا COVID19، عاد النقاش والجدال من جديدٍ حول حقوق العُمَّال في القطاع العام والخاص (الأهلي)، ذلك فيما يتعلَّق باستمرار المُرتَّب بعد التخفيض أو فسخ العقد؛ على اعتبار أنَّ الأعمال قد تعطَّلت فعلياً بسبب حظر التجوُّل، وغيرها من الظروف الاستثنائية التي عرقلت استمرار بيئة العمل.


 إلاَّ أنَّ أصحاب التخصُّصات والكفاءات الأكثر تضرُّراً جراء انتشار هذه الجائحة هم الأطباء، حيث إنَّهم خط الدفاع الأول في مواجهة مرضٍ معدٍ لا علاجاً له أو لقاحاً ضدَّه حتى الآن، وهم على تماسٍ مباشرٍ مع المرضى.

 ففي الوقت الذي يُستَبعَد فيه الحديث عن انتهاء عقد الطبيب مع المشفى أو انتهاء خدمته العمومية مع مستشفيات الدولة، فإنَّ الجدال يثور حول مدة العمل في ظلِّ حالة الطوارئ الصحية، وعن احتياطات السلامة العامة الواجب توفيرها حمايةً للأطباء من العدوى. فعلى الرغم من وجود حق للطبيب بتوفير ظروف عمل صحية بالإضافة إلى معدات الوقاية الصحية مهما كان الشكل القانوني الذي يتم على أساسه عمل الطبيب، إلاَّ أنَّنا نسمع كل يوم عن حوادث إصابةٍ أو وفاةٍ لأطبَّاء بسبب انتقال عدوى كورونا إليهم من المرضى المخالطين لهم.



 لقد انكشف ضعف البنية الصحية التي كان يمكن للأطباء أن يستندوا عليها، وانكشف الغطاء عن ضعف تطوير القطاع الصحي في معظم دول العالم، كما أنَّ المجتمع العربي المرهق من كثرة الصراعات والأزمات والمَلمَّات كان آخر ما ينقصه هو وباءٌ عالميٌّ عضالٌ. وما زاد الطين بِلَّةً، هو أنَّ الفساد -الذي ينهش بالجسد العربي- قد تغذَّى على ميزانية الدول بحُجَّة تمويل القطاع الصحي طيلة عقودٍ، دون أن تظهر أيَّة ملامحٍ واضحةٍ للتطوُّر، فما زالت الثقة ضعيفة في الرعاية الطبية العربية. لقد كانت الطامَّة الكبرى في زمن كورونا هي افتضاح أمر الإهمال بالمعايير الطبية، ابتداءً ببناء ثقافة صحية قوية وواعية؛ فبتنا نرى الناس لا تُلقِي بالاً للوقاية، بل تَعتبرُ ارتداء الكمَّامة نوعاً من الدعابة، وانتهاءً بالأسس العلمية للتشخيص والحجر والعلاج؛ حيث شاهدنا كيف أنَّ المئات من الفحوص السلبية العربية تَظهرُ في الحقيقة على أنَّها إيجابية. 




 هل يعود ذلك إلى ضعف الكادر الطبي العربي بقيادة الأطباء الاختصاصيِّين، أم لضعف توفير المعدَّات الضرورية؟ ينال الأطباء العرب أرقى المراتب العالمية في دول المهجر، في الوقت الذي يُلصِقُ البعض تهمة فشل القطاع الصحي العربي بكفاءة الأطباء. الحقيقة أنَّ الأطباء العرب قد وقعوا بعد انتشار فيروس كورونا بين قُطبَيْ الرَّحى؛ فهم يتعاملون مع شعوبٍ ضعيفةِ الوعي الصحي إلى درجة الاستهتار من جهة، ويعملون في مظلَّة أنظمة عملٍ قاسيةٍ لا تحفظ من حقوقهم إلا الشيء اليسير وتطالبهم بالمقابل بالعمل ليل نهار اعتماداً على معدَّاتٍ طبيةٍ قليلةٍ ومتهالكةٍ وغير دقيقةٍ استورد أغلبها تجار الفساد من جهةٍ أخرى. 


 فعلى الرغم من أنَّ قانون العمل في القطاع العام والخاص (الأهلي) تتضمَّن توفير حقوق الأطباء بالبيئة السليمة خلال أوقات العمل، إلاَّ أنَّ انتشار فيروس كورونا قد أوجد حالةً من الطوارئ الطبية المُستمرَّة، ممَّا أودى بحقوق الأطباء بين مطرقة التخاذل والنجاة بالنفس وبين نداء الواجب وحشرجة المرضى الذين ينتظرون مَن يُنقذهم. 

 هكذا، أضحى الطبيب مُلزماً بالعمل بشكلٍ مستمرٍّ مع مرضى يكفي زفير أحدهم لنقل المرض إلى غرفة بكامل الأشخاص الموجودين فيها، دون أن تظهر عليه أيَّة أعراضٍ. والمشكلة أنَّ أدوات الوقاية الطبية البسيطة من كمَّامات وقفَّازات أصبح توفيرها مُكلفاً، الأمر الذي دفع أحد الأطباء في إيطاليا إلى العمل بيديه المكشوفتين حتى الموت! فما بالنا بأطبائنا العرب الذين يعمل معظمهم في ظلِّ ظروفٍ أفضل ما يقال عنها بأنَّها مأساويةً. فإذاً، أصبح المطلوب من الطبيب أن يكون كالجندي في موقع التماس مع العدو ينتظر لحظة استشهاده، مع العلم بأنَّ خسارة طبيبٍ واحدٍ قد تعادل خسارة مئاتٍ الناس وفق نسبة الأطباء إلى عدد السكان. بناءً عليه، يبدو أنَّ قوانين العمل الحكومية والأهلية التي تحكم القطاع الصحي، تحتاج إلى: أولاً: وضعَ قواعدٍ قانونيةٍ خاصَّةٍ بحالات عمل الأطباء في ظلِّ الطوارئ الصحية الاستثنائية؛ ذلك لضمان حق الطبيب في تأمين أدوات سلامته قبل تأمين الرعاية الصحية للمرضى، إلى جانب تعويضه مادياً ومعنوياً عن تعريض حياته للخطر بهذا الشكل الجسيم. ثانياً: ضرورةَ أن تنصَّ عقود العمل مع الأطباء على التزام جهة العمل على توفير البيئة الصحية والأدوات الوقائية الاعتيادية بشكلٍ دائمٍ، وأن تلتزم بتوفير تلك الأدوات الوقائية لمواجهة الظروف الصحية الاستثنائية وفق طبيعة المرض المستجد. 


ثالثاً: عدم اعتبار الطبيب مُخِلاًّ بالتزاماته تجاه جهة الإدارة في القطاع العام ولا تجاه الجهة المتعاقد معها في القطاع الخاص (الأهلي)، إذا توقَّف عن تأدية عمله في ظلِّ عدم توفير مستلزمات العمل الطبية والوقائية اللاَّزمة.


 فمن الصحيح القول أنَّه ليس للطبيب تجاهل نداء الواجب، لكن يجب توفير منشآت صحية تعمل بمعايير السلامة المطلوبة قبل تذكيره بهذا النداء. وأخيراً، أرى أنَّ الطبيب الذي فقد حياته خلال تصدِّيه لفيروس مستجد في وضعية طوارئ طبية كالتي نعيش، يجب أن يتمَّ اعتباره شهيداً، ومنحه امتيازات الشهادة كاملة.
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads