الجمعة 14 أغسطس 2020 الموافق 24 ذو الحجة 1441
ads
د.همام القوصى
د.همام القوصى

"مخاصمة القضاة.. متاهة العدالة في كأس من الشاي"

الثلاثاء 07/يوليه/2020 - 09:08 ص
ads
طباعة
ads
مخاصمة القضاة.. متاهة العدالة في كأس من الشاي 

تبدو دوائر المحاكم خلايا نحلٍ في النهار، يُسرِّعُ فيها المتقاضون خُطاهم، يَتدافعُ الناس لتحصيل حقوقهم، يستجدي المتَّهمون القضاة لإعلان براءتهم. 

وفي وسط هذه المعاناة البشرية لاستدعاء الحق أو لادعائه بلا حق، يكون القاضي هو صاحب كلمة الفصل، فهو الإنسان الذي يَكتبُ بقلم العدالة، هذه العدالة التي هدفت إليها روح القانون، والتي كثيراً ما غفلت عنها نصوصه الوضعية أو أغفلتها.

 يبدو ازدحام المحكمة أمام القاضي أشبه بتداخل سيمفونية أوركسترا "الأوبرا" الهادئة الراقية الباذخة مع موسيقى "الغجر" الصاخبة المتوترة الحزينة، حيث يحاول القاضي أخذ الحيثيات بموضوعيةٍ وهدوءٍ وتركيزٍ فيما تتداخل المصالح أمامه وتتصاعد الضغوط عليه.

 تبدو تصريحات الخصوم المُتَعَاكِسَة بين الادعاء والدفاع أشبه بمبارزةٍ في القدرة على النفاق والتملُّق والتصنُّع. 

يقفُ القاضي أمام كل هذه العناصر تحت مجهر الرقابة القضائية، حيث إنَّ مركزه الحسَّاس يضع عليه مسؤولياتٍ مهنيةٍ هائلةٍ أمام السلك القضائي، والتي قد تصل إلى حد المسؤولية التأديبية. 

وفي ظلِّ هذه الظروف الضاغطة يمكن للقاضي أن يُخطِئَ مثله مثل أيِّ إنسانٍ آخر، ومن هنا فقد أجاز القانون الطعن في قرار القاضي أمام المحكمة الأعلى.

 لكن عندما يَبلغُ خطأ القاضي من الجسامة بحيث يَضرُّ بسمعة المؤسَّسة العدلية وينالُ من ثقة الناس في عدالة القضاء، حينها يجب أن تكون ردَّة فعل القانون أقسى فعلاً، وأَوْقَعُ أثراً. 

بناءً عليه، فقد ظهر نظام مخاصمة القضاء كآليةٍ لإقامة دعوى مباشرةٍ على القاضي من الناس الذين سبَّبت لهم أخطاء هذا القاضي أضراراً على المستوى المادي أو المعنوي. 

فهنا ينقلب القاضي من سلطة الحكم إلى مدَّعىً عليه بدعوى تعويض وإبطال لقرارٍ قضائيٍّ، ويكفي ما لهذا الانقلاب من إحراجٍ فيتشكَّلُ رادعٌ نفسيٌّ -على الأقل- للقضاة حتى يقوموا بواجبهم بالشكل الأمثل. 

والأدهى والأمر، أنَّ القاضي قد يجد نفسه خلف القضبان وقد تمَّ الاستغناء عن خدماته من وزارة العدل، ذلك إن تمَّ اكتشاف أيِّ غشٍّ أو تدليسٍ صادرٍ عنه خلال الدعوى؛ هكذا تكون الصورة قد اكتملت من عدم وجود أيَّة مكانةٍ للقاضي فوق سلطة القانون الذي يَحكُمُ به، بل إنَّ سيف هذا القانون سيكونُ مُسلطاً على رقبته إنْ هو تجاوزه ولم يحترمه.

 تَسمحُ معظم قوانين المرافعات إقامة هذه الدعوى -المؤلمة لوجدان لقاضي- في حالاتٍ مُحدَّدةٍ، مثل "الغش"؛ أي إصدار القاضي لحكم في مصلحة أحد طرفَي الدعوى بسوء نيةٍ حتى يحصل على مصلحةٍ مُعيَّنةٍ مثل قبض رشوةٍ، وهناك حالة "التدليس"؛ وهي تعني إصدار الحكم المُنحاز هذا بسوء نيةٍ لكن بدافعٍ من الكراهية أو المحبَّة دون ضرورة وجود مصلحةٍ فعليَّةٍ للقاضي.

 هذه الحالات هي نوائبٌ حقيقيةٌ لضمير العدالة إنْ هيَ انكشفت، فهي تُظهِرُ مدى هشاشة فكرة الحكم التقديري بالقانون من السلطة القضائية.

 إلاَّ أنَّ حالة "الخطأ المهني الجسيم" هي الحالة الوحيدة التي لا تحتاج إثبات سوء نية القاضي حتى تُقامُ دعوى المخاصمة، فقد يرتكب القاضي خطأً فادحاً لا يمكن أن يرتكبه أي متخصِّص بالقانون. 

وفي جميع الحالات، يمكن للمدعي بالمخاصمة أن يُؤسِّس دعواه بناءً على سوء نية القاضي إنْ كانت لديه أدلةٌ ماديةٌ لا تقبل النقاش حول تورُّط القاضي بالغش أو التدليس.

 ولكن في حال كانت هذه الأدلة غير موجودةٍ، فعلى المدعي ألاَّ يُخاطرَ بإقامة الدعوى على أساس سوء نية القاضي، لأنَّ الأخير قد يَقلبَ الطاولة عليه في دعوى المخاصمة، ويحصل على تعويضٍ كبيرٍ على أساس تشويه السمعة. 

هنا يمكن للمدعي أن يستند على الخطأ المهني الجسيم من القاضي، والذي لا يتطلَّب إثبات سوء النية بقدر ما يتطلَّب شرح الخطأ الفادح الذي وقع فيه القاضي؛ كأنْ يتجاوز القاضي وجود مادةٍ قانونيةٍ ويحكم على أساس التقدير، أو يحكم بأكثر ممَّا طلبه الخصوم، وغيرها من الأخطاء المكشوفة التي كان للقاضي أن يتجاوزها إنْ قام ببذل مجهود الشخص العادي في دراسة ملف الدعوى. 

وفي الحقيقة، تكون كثير من حالات الخطأ المهني الجسيم هي -في الخفاء- حالات غشٍّ أو تدليسٍ، ولكن المدعي يخشى فشله بإثبات سوء نية القاضي، فيكتفي هذا المدعي بالدفع بخطأ القاضي الواضح حتى ينال تعويضه، ويُبطل القرار. 

ولكن مخاصمة القضاة هي عبارةٌ عن "دعوى"، فهي تخضع لذات عناصر الدعوى التي أحاقت الظلم بأطراف الدعوى الأولى؛ أي أنَّ قاضي المخاصمة قد يرتكب نفس الأخطاء التي ارتكبها القاضي الأول المُخاصَم. 

ويمكن أن تخضع محكمة المخاصمة -وهي محكمة استئنافٍ على الأغلب- لضغوطٍ كبيرةٍ مَصدرها مَعارفُ ونفوذُ القاضي المدعى عليه، حتى أنَّها قد تتغاضى عن أخطائه من باب المُجاملة أو بغرض تكريس عرفٍ قضائيٍّ بعدم جواز الاعتراف بالأخطاء القضائية التي تمَّ ارتكابها بحسن نية، أو التي لم ينجحْ المدعي بإثبات سوء نية القاضي فيها. 

هكذا قد تتحوَّل دعوى المخاصمة إلى مسرحيةٍ مُكرَّرةٍ وسخيفةٍ، ثم يتمُّ تحميل أخطاء القاضي للشخص الذي وثق في محكمة المخاصمة وتأمَّل فيها خيراً، عبر إلزامه بتعويض القاضي الذي أخطأ، لكن خطأه لم يكن جسيماً بتقدير محكمة المخاصمة!

 وبالمحصِّلة، فإنَّ دعوى المخاصمة قد تدخل في نفس المتاهة التي يَشعرُ صاحب الحق أنَّه قد دخلها كلَّما زار المحكمة، حيث تتبدَّل ملامح الوجوه، ويتمُّ تنميق الكلام بالباطل في الوقت الذي ترتدي فيه الوجوه "أقنعة الحق".

 فإذاً المشكلة الكبرى في نظام مخاصمة القضاة ليس في حالات سوء نية القاضي، فهي حالات لا تقبل الشك أو التقدير، بل المشكلة تكمن في حالات الخطأ المهني الجسيم التي يعود تقديرها لقاضٍ زميلٍ للقاضي المدعى عليه، وإن كان أعلى منه درجةً.

 وهنا تظهر التساؤلات التالية: 

لماذا لا يتمُّ مخاصمة القاضي لمجرَّد الخطأ البسيط؟ ما المشكلة إنْ التزمت الدولة بتعويض الشخص المُتضرِّر من خطأ القاضي الثابت وإن كان خطأً عادياً؟ ألن يؤدِّي ذلك إلى المساهمة بتسهيل إقامة العدالة في دعوى المخاصمة؟ ألن تحكم محكم الطعن بفسخ القرار إذا تم اكتشاف الخطأ وإن كان عادياً، فلماذا لا يتمُّ إبطاله في مهده عبر دعوى المخاصمة دون أن يخسر المتقاضين درجة من درجات التقاضي؟ ألن يُساهم ذلك في زيادة ثقة الناس بمؤسَّسة القضاء؟ 

الحقيقة الواضحة، هي أنَّ مخاصمة القضاة ستكون عبارةً عن إجراءٍ عديم الفائدة أو الأثر على أرض الواقع طالما ارتبط بسلطةٍ تقديريةٍ واسعةٍ من محكمة المخاصمة؛ حيث سيجد القاضي المُخطئ ألف طريقٍ وألف بابٍ من أجل التملُّص من المسؤولية بادعاء أن الخطأ الذي ارتكبه غير جسيمٍ.

 ذلك في الوقت الذي يجب أن تكون فيه إرادة المشرع في صفِّ المتقاضين وليس القضاة؛ فالمتقاضين هم من الناس العاديِّين الذين هم في موقفٍ ضعيفٍ أمام قاضٍ له مركزه وسلطته. 

ولذلك يمكن إلغاء حق القاضي بالتعويض عن الادعاء عليه بدعوى المخاصمة في حال ثبوت خطأه وإن كان عادياً؛ فحتى وإن خسر الشخص دعوى المخاصمة تجاه القاضي، لا يجوز أن يلتزم بدفع تعويض للقاضي إذا كان هذا القاضي مُخطئاً بالأصل، بل فقط في حالة الادعاء الكيدي على القاضي دون أيِّ خطأٍ مُرتكبٍ منه. 

وفي الختام، كان الناس يسألونني كثيراً: لماذا نَجدُ بعض الفئات المجتمع التي لا تلجأ إلى القضاء، بل تَحلُّ مشكلاتها بنفسها عبر مجلسٍ عائليٍّ أو عشائريٍّ؟

 الواقع أنَّ الإجابة الصريحة لهذا التساؤل هو أنَّ الأفراد في هذه الفئات لا تشعر بالثقة الكاملة بسلطة القضاء، ولذلك تحتكم إلى مَن تَجدُ فيه الحكمة والكفاءة فتنتفي إمكانية الأخطاء الجسيمة، وتجد فيه الضمير فتنتفي شبهة سوء النية. 

يجب أن يشعر الناس بأنَّ عملية إصلاح القضاء تطالُ الفساد القضائي بشكلٍ مباشرٍ وحاسمٍ بكلِّ شفافيةٍ دون مواربةٍ أو غموضٍ، وتَسمحُ لهم بالادعاء على القضاة حتى بسبب الأخطاء البسيطة، ومتابعة الدعوى، ثم عدم إمكانية ملاحقة هؤلاء الناس بشبح التعويض الكبير للقاضي المُخطئ، ذلك التعويض الذي قد تتمُّ المبالغة في تقديره وفقاً لمكانة القاضي وتأثير دعوى المخاصمة على سمعته.

 بناءً عليه، فلن تكتسب المؤسَّسة القضائية ثقة المجتمع بها عبر إقرار نظام مخاصمة القضاة ضمن ذات البيئة والفكر القضائي التقليدي.

 فلا تكفي محاربة أخطاء القضاة بشكلٍ خجولٍ بعد اشتراط كونها "جسيمةً"؛ فهذا الشرط قد جعل من مسؤولية القاضي مُلكاً لتقديرِ زملائِهِ من القضاة.. الذين كان يحتسي معهم كأساً من الشاي في غرفة استراحة القضاة قبل خمس دقائقٍ من إصدار الحكم عليه! 

الدكتور همام القوصي (دكتوراه في القانون التجاري تخصص قانون وأنظمة سوق الأوراق المالية).
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads